الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٩٧ - باب الغرة ممن أم التقوي و أحسن التفقد لظاهره و داخله
باب الغرّة ممن أمّ التقوي و أحسن التفقد لظاهره و داخله
و منهم فرقة أهل بصر و نظر و تفقد لجوارحها، و لكثير من خطرات قلوبها، يؤمون التقوى[١] و يريدونها، و لا يحبّون أن يبدوا بشىء من الأعمال غيرها، فهم مع ما خصّوا به من بين العابدين فى زمانهم يغترّون بها، قد زايلهم الوجل و الإشفاق، يخيّل إلى أحدهم أن العذاب إنما يرفع عن العباد به، و يدعو اللّه عز و جل و الغالب عليه أنه مستحقّ للإجابة، غير وجل و لا مشفق أن يكون من أعداء اللّه، لبعض ما سلف منه، أو لبعض ما يكون منه فى ضميره و جوارحه، أو بأمر يختم له به، فيشقى فيموت و هو عدو للّه عزّ و جل على شر أحواله.
قلت: فكيف يغترّون و هم معتقدون للتقوى و يطلبونها و يؤمّونها؟
قال: أعجبوا بتفقّدهم فظنوا أنهم ناجون، و استصغروا من سواهم؛ لمعرفتهم بتضييع العباد لحق اللّه عز و جل فى زمانهم.
قلت: فكيف تنفى غرتها بذلك؟
قال: تعرض و جلها و شفقتها على وجل السابقين، فتنظر أين وجلها من وجلهم، فإنها تجدهم قد تمنّوا- مع ما قد قاموا به للّه عز و جل مما لم يأت بأقل القليل منه- أنهم كانوا بهائم، إعظاما للأمر و خوفا من الرب عز و جل.
[١] - يؤمون التقوى: يقصدونها و يطلبون التحقق بها.