الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٨٠ - باب علامة المرائي في نفسه
باب علامة المرائي في نفسه
قلت: فما علامة المرائي في نفسه؟
قال: يحبّ الحمد على طاعة اللّه عزّ و جلّ، و يكره الذمّ فيدع الطاعة من أجل الذمّ، و إذا عمل عملا لم يعلم به غير اللّه عزّ و جلّ، أو علم علما لم يعلم به إلا اللّه لم تقنع نفسه في علمه و عمله بعلم اللّه عزّ و جلّ و نظره و سمعه وحده، حتى يغلب على قلبه الطلب لعلم غيره، يهتم لذلك! فإن اطلعوا عليه ارتاح قلبه لذلك و سرّ بحمدهم! و أخفّ الناس عليه من حمده و أثنى عليه، و أثقلهم من ترك حمده و الثناء عليه. و لا تسخو نفسه بإتيان طاعة للّه لا يعلم بها أحد، فإن أراد نفسه على ذلك ثقل عليه و لم تطاوعه عليه.
و قد روى عن رجل: أنه عرض على نفسه في أيام بابك و هو يقاتل المسلمين فقال لنفسه: أتحبّين أن تقتلي بابك و لا يعلم بذلك أحد؟ فأبت و قالت: مثل بابك يقتل و لا يعلم به أحد[١]!
[١] - بابك الخرّمي: زعيم طائفة يقال لها البابكية، و كان يقول بالتناسخ، و اتبعه طائفة من الجهلة و سفلة الناس، و تحرك بهم لهدم الدولة الإسلامية العباسية، و كان تحركه في سنة إحدى و مائتين للهجرة، و استولى على بعض البلاد الإسلامية، و أحدث فيها فتكا و تدميرا و فسادا عظيما، و ناوش الدولة العباسية ما يزيد على عشرين سنة، حتى أحيط به في سنة اثنتين و عشرين و مائتين، و هرب بأهله، لكنه سقط في قبضة الدولة في شوال من هذه السنة، و في ليلة الخميس لثلاث عشرة خلت من ربيع الآخر سنة ثلاث و عشرين أمر به المعتصم باللّه، فقطعت يداه و رجلاه، و جزّ رأسه، و شقت بطنه، و حملت رأسه إلى خراسان، و صلبت جثته على خشبة بسامرا. و كان هذا الملعون قد قتل في مدة ظهوره مائتي ألف و خمسة و خمسين ألفا من المسلمين.( انظر البداية و النهاية لابن كثير ١٠/ ٢٩٦- ٢٩٨ و غيرها).