الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٨٥ - باب الغرة بالجدل و حسن البصر بالاحتجاج و الرد على أهل الأديان
فاعملوا به، و ما نهيتهم عنه فانتهوا عنه»[١].
ثم هو فى نفسه صلّى اللّه عليه و سلم قد بعث إلى جميع أهل الأديان، فما جادلهم إلا بما تلا عليهم من التنزيل، و لو شاء كلّمهم بالمقاييس و دقيق الكلام، و لو كان ذلك هدى كان هو أولى به و عليه أقوى، فلم يقم الحجة إلا بالتنزيل، و أضرب عن جدلهم بالدقائق، و علم أن ذلك للّه عز و جل رضى و محبة، فترك الجدل و الخصومات من السنة.
و يرجع إليها أيضا بأخرى من التذكرة: إنّى لو نجوت و عطب أهل الأرض من أهل الأهواء ما ضرّنى ذلك، و لو عطبت و نجوا ما نفعنى، فإقامتى الحجة عليهم و تركى أن أقيم الحجّة على نفسى للّه عزّ و جلّ فى تضييعى أمره- حتى أؤدى ما أمرنى به ربّى، و أنتهى عمّا نهانى عنه و أربح أيام عمرى ليوم فقرى و فاقتى- أولى بى، فقد شغلونى عن نفسى و عن العمل فى نجاتى.
و مع ذلك ما يؤمننى أن أقيم الحجّة ببعض التأويل و القياس، أرى أنه هدى و هو عند اللّه عزّ و جلّ ضلال و كذب عليه، و قد تبين لى ذلك فيما مضى من عمرى، قد كنت أقول القول ثم يتبين لى أنه خطأ، فأرجع عنه، فما كانت حالى عند ربى لو أقمت على حالى تلك؟ و كذلك لا آمن مثلها ثم أموت عليها قبل أن أعرف خطئى، فإذا أنا قد أهلكت نفسى بطلبى نجاة غيرى.
و مع ذلك أنه لو كانت المجادلة من السنّة، و لم أكن أشتغل بها عن العمل لآخرتى، و أمنت الخطأ فى حجاجى؛ لما كان لكلامهم موضع فيه مزدجر فى آخرتى، إذ لم أر أحدا منهم رجع عن قوله، و لا تاب من بدعته، فلو كان
[١] - الحديث عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، أخرجه ابن ماجة فى المقدمة ١/ ٣٣( ٨٥)، و صححه البوصيرى فى الزوائد، و أخرجه أحمد ٢/ ١٧٨، ١٩٦.