الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٥ - باب معرفة ما يبدأ به العبد من العدة للمقام بين يدى الله تعالى
باب معرفة ما يبدأ به العبد من العدّة للمقام بين يدى اللّه تعالى
فليكن أول ما تبدأ به من العدّة لذلك المقام تقوى اللّه عز و جل، في السر و العلانية؛ ليؤمّن قلبك في ذلك المقام مع قلوب المتقين، حين ينجز لهم ما وعدهم؛ من الأمن و الغبطة و السرور.
و ما تركهم اللطيف في الدنيا، مع ما يعطيهم في الآخرة، حتى أنار لهم قلوبهم، و أعزّ لهم أنفسهم، و أغناهم به عن خلقه، و نعّمهم بطاعته، فألزم قلوبهم مع الخوف منه حسن الظن به، و الأنس إلى رجائه؛ ثم علا ذلك بالشوق إليه جل و عز، و إلى جنته، فنقلهم من المكابدة إلى النعيم بطاعته و السرور بها، و قنّعهم من الدنيا باليسير منها، فطيّب فيها عيشهم، و أحسن فيها نصرهم و معونتهم.
و ذلك الذي وعدهم، فقال عز و جل: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ[١].
فهل على من كان اللّه عز و جل معه بالنصر و المعونة ضيم أو خذلان؟ فهم أعز الخلائق أنفسا، و أنورهم قلوبا، و أغناهم به غنى، و أطيبهم عيشا، حزنهم فيما يسرّ به الناس، و سرورهم فيما يحزن له الناس، و طلبهم لما يهرب منه الناس، و هربهم مما يرغب فيه غيرهم من أهل الغفلة و الغرّة، يستأنسون إذا استوحش الناس؛ إذ كان أنسهم باللّه، جل و عز وحده؛ استكمالا لمناجاته،
[١] - النحل: ١٢٨.