الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٦ - باب معرفة ما يبدأ به العبد من العدة للمقام بين يدى الله تعالى
فعنده يضعون بثوثهم[١]، و إليه يضرعون في حوائجهم، قد اتخذوه حرزا و جنّة[٢] و كهفا؛ وثقوا به دون خلقه، و انقطعوا إليه عز و جل عن كل قاطع يقطعهم عنه، فاستوحشوا حين استأنس الناس استيحاشا من الخلائق و استئناسا بربهم.
فهذه مواريث التقوى؛ لأنها أساس العمل، و أصل الطاعة، و هي أول منزلة العابدين و أعلاها، لأن النوافل بعدها، و لا تقبل نافلة إلا بها و معها، و هي التي أصبح عامة القراء لها مضيعين، و قد أمر اللّه جل ثناؤه في كتابه في آيات كثيرة بها، و عظّم قدرها و قدر القائمين بها، و بينها النبي صلّى اللّه عليه و سلم بسنته، و عظّم قدرها، و العلماء من بعده إلى عصرنا هذا.
فأما تفسير ما أمر اللّه جل و عز به في كتابه: فإنه حدثنا سنيد بن داود، عن حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله تعالى: وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى[٣] قال: البر: ما أمرتم به، و التقوى. ما نهيتم عنه.
و حدثنا الوليد بن شجاع، عن ضمرة، عن[٤] رجاء بن أبي سلمة، عن يونس ابن عبيد، عن الحسن قال: ما عبد اللّه العابدون بشىء أفضل من ترك ما نهاهم عنه.
حدثنا الوليد، قال: حدثنا عمر بن حفص بن ثابت الأنصاري، عن سفيان الثوري، عن رجل، عن الحسن قال في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا
[١] - جمع بث، و في تعريف البث يقول القرطبي:« حقيقة البث في اللغة: ما يرد على الإنسان من الأشياء المهلكة، التي لا يتهيأ له أن يخفيها، و هو من بثثته أي: فرّقته ... و قال ابن عباس: بثي:
همي، و قال الحسن: حاجتي»( تفسير القرطبي ١٠/ ٢٥١).
[٢] - الجنّة، بضم الجيم: الوقاية. و الحرز: الموضع الحصين.
[٣] - المائدة: ٢.
[٤] - فى بعض النسخ المطبوعة:« بن» و هو تصحيف.