الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٤٥٤ - باب العجب بالحسب
فيلزم ذلك قلبه، فإذا فعل ذلك و ألزمه قلبه عرف نفسه، و زال عنه اغتراره و عجبه، و اهتم بالشكر، و خاف من الذنب، و خاف أن يكون من دونه ينجو، و يهلك هو، إذ كان أتقى للّه عز و جل منه.
فإذا عرف نفسه بهذه المعرفة، و أنزلها بهذه المنزلة، قل فخره و خيلاؤه و حقريته غيره، بل يتواضع لهم و يتشبه بآبائه، فإن اللّه عز و جل إنما رفعهم بتواضعهم له فى خلقه، و مخافتهم على أنفسهم.
قلت: فقد جاء الحديث عن النبى صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: فى عقب قوله: «يا فاطمة و يا صفية اعملا لأنفسكما فإنى لا أغنى عنكما من اللّه شيئا»: «إلا أن لكما رحما سأبلّها ببلالها»[١] و قال: «أيرجو نسلهم شفاعتى و لا يرجوها بنو عبد المطلب»[٢] فقد دل بهذا القول أنه سيخص قرابته بالشفاعة، فكذلك كل صالح على هذا القياس يشفع لأقربائه.
قال: إن ذلك ينبغى له أن يرجوه، و يعلم أنه لا يشفع النبى صلّى اللّه عليه و سلم و لا أحد من الصالحين إلا لمن لم يغضب اللّه عليه، و أراد أن يكون سبب رحمته له شفاعة نبيه صلّى اللّه عليه و سلم، و بعض أوليائه.
و من غضب اللّه عز و جل عليه لم يؤذن لنبى و لا لأحد فى الشفاعة له. ألا تراه حين ذكر ملائكته قال: وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى[٣] قال قتادة:
[١] - من حديث أبى هريرة عند مسلم فى الإيمان ١/ ١٩٢( ٢٠٤/ ٣٤٨، ٣٤٩) و عند الترمذى فى تفسير الشعراء ٩/ ٤٢( ٣٢٣٧، ٣٢٣٨)، و النسائى فى الوصايا ٦/ ٢٤٨، ٢٤٩. و معنى« أبلها ببلالها»:
أصلها بصلتها فى الدنيا.
[٢] - قال العراقى فى تخريج الإحياء ص ٢٠٠٠:« الطبرانى فى الأوسط من حديث عبد اللّه بن جعفر.
و فيه أصرم بن حوشب عن إسحاق بن واصل، و كلاهما ضعيف جدا».
[٣] - الأنبياء: ٢٨.