الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٦٠ - باب معرفة الورع
باب معرفة الورع
قلت: ما الورع؟
قال: مجانبة ما كره اللّه جل و عز، و منه قول عمر رضي اللّه عنه: ورّعوا اللصّ و لا تراعوه. يقول: اطردوه و جنّبوه رحالكم، و لا ترصدوه حتى يقع.
و منه قول العرب: ورّع الإبل، أي جنّبها.
فالتقوى أول منزلة العابدين، و بها يدركون أعلاها، و بها تزكو أعمالهم؛ لأن اللّه جل و عز لا يقبل عملا إلا ما أريد به وجهه، فواللّه ما رضى كثير من المتقين بها للّه تعالى وحدها، حتى أعطوه المجهود من القلوب و الأبدان، و بذلوا له المهج من الدماء و الأموال. فانظر رحمك اللّه أين أنت منهم؟
و لقد خشيت أن تكون عامة أهل زماننا من العابدين مخدوعين، مغترين، فكم من متقشف في لباسه متذلل في نفسه آخذ من حطام الدنيا اليسير، و من مصلّ و صائم، و غاز و حاج، و باك و داع، و مظهر للزهادة في الدنيا و الرفض لها، على غير صدق من الضمير لرب العالمين عز و جل، يتصنع للعباد بما يظهر من الطاعات، و يرى أنه من المخلصين، و جوارحه مع ذلك منتشرة: من عين تنظر إلى ما كره اللّه، و لسان يتكلم بما لا يحب اللّه جلّ و عز عند غضبه و عند أنسه بالناس و محادثته بالغيبة و غيرها.
***