الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٠٣ - باب نفي الكبر و تعريف العبد قدره
باب نفي الكبر و تعريف العبد قدره
قلت: فبم ينفى العبد الكبر؟
قال: بمعرفته بقدره فى الدين و الدنيا.
قلت: فبم يعرف قدره؟
قال: يعرف قدره بمعرفته ببدايته و حياته و عاقبته.
أما بدايته: فقد مضت الدهور و لم يكن فيها شيئا مذكورا، و أوجده اللّه عز و جل بعد العدم إذ لم يكن شيئا مذكورا، فأوجده اللّه عزّ و جلّ ميتا و بدأه بموته قبل حياته، لأنه خلقه من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم جعله عظما، ثم كسا العظام لحما، فبدأه بموته قبل حياته، و بضعفه قبل قوته، و بجهله قبل علمه، و بعماه قبل بصره، و بصممه قبل سمعه، و ببكمه قبل نطقه، و بجوعه قبل شبعه، و بعريه قبل ستره، و بضلالته قبل هداه، و بفقره قبل غناه.
ثم أحياه بعد ما كان ميتا، و أسمعه بعد ما كان أصم، و بصّره بعد ما كان لا بصر له، و قواه بعد أن كان ضعيفا، و علّمه بعد أن كان جاهلا، و أغناه بعد أن كان فقيرا، و أشبعه بعد أن كان جائعا، و كساه بعد أن كان عاريا، و هداه بعد أن كان ضالّا.
فابتدأه بهذه الأحوال الدنيا، ثم نقله إلى هذه الأحوال الرفيعة، فصار موجودا بعد العدم، و حيّا بعد الموت، و ناطقا بعد الخرس، و سميعا بعد الصمم،