الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٥٩ - باب التمييز بين الرجاء و الغرة
رجاء كاذب.
قلت: أليس الرجاء مبسوطا للموحّدين و إن عظمت ذنوبهم، و الإياس محرّم عليهم؟.
قال: أجل، و ليس هذا موضعه الذى وضع فيه، و لكنه موضع خوف من اللّه.
و قد يكون العبد عاصيا مغترا، فإن عارضه القنوط قمعه بالرجاء، من أجل التوحيد، فقمع به القنوط الذى هو معصية لمولاه، لئلا يجمع معصية و قنوطا فيكونا ذنبين، فإن طيّب بعد ذلك نفسه بذكر الرجاء، فجرأه على المقام على معاصى اللّه عز و جل، فقد اغتر باللّه عز و جل؛ لأن اللّه عز و جل جعل الرجاء مزيلا للقنوط الذى يمنع من التوبة و العمل، باعثا على الطاعة و القربة إليه، و جعل الخوف مانعا من الأمن و الاغترار، مزيلا عن الإقامة على الذنوب، مانعا لمواقعتها عند الهمّ بها.
ألم تسمع إلى قوله عزّ و جل: وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى[١].
فالخوف مانع من الذنب قبل مواقعته، مهيّج على التوبة بعد إصابته.
فهذا فرق ما بين الرجاء و الغرة باللّه عز و جل.
و لقد أعلمنا اللّه عز و جل على لسان النبى صلّى اللّه عليه و سلم أن الغرّة تشتمل فى آخر الزمان على آخر هذه الأمة، بذكر الرجاء فى غير موضعه، فذمّهم النبى صلّى اللّه عليه و سلم بذلك، و أخبر أن ذلك عند ذهاب الحق و أهله، و غلبة الباطل على آخر هذه
[١] - النازعات: ٤٠، ٤١.