الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٢٠ - باب التكبر بالعلم و العمل خاصة
للعمل، و الجاهل بالعلم، إذ كان أعظم بلية، فإذا رجع إلى نفسه: إنى كما عرّضت لأعظم الأجر و أكبر القدر، فكذلك عرّضت لأعظم الإثم و أصغر القدر، و إن تكبرى يا نفس تكونى أصغر قدرا من الجاهل و المضيع للعمل، فهو كرجل قيل له: إن لك قدرا ما لم تر لنفسك قدرا، فإن رأيت لها قدرا فلا قدر لك عند اللّه عز و جل، و هو كذلك، لأن اللّه عز و جل يضعه و يذلّه إذا تكبّر.
فإذا عقل عن اللّه عزّ و جل، علم أنه إن تكبّر وضع قدره، و إن نفى الكبر و ذلّ رفع قدره، و إذا ألزم العبد قلبه ذلك، انتفى الكبر عنه عاملا كان أو عالما، لأن خطرهما جميعا عظيم.
أما العابد فكثير آفاته، و كثير أخطاؤه فى عمله، و كذلك العالم، و هو أعظمهما خطرا و أشدهما بلاء.
ألا ترى إلى ما روى عن أبى ذرّ: أنّ مولاه جعل يسأله عن العلم، فقال له أبو ذر: أما إنك لا تسألنى عن شىء إلا زادك اللّه به بلاء[١].
و صدق رحمة اللّه عليه، تعظم عليه الحجة عند اللّه عزّ و جلّ، و يعظم منه الذنب، و تكثر آفاته، و مع عظيم الحجة و كثرة الآفات إنما يؤجر عليه إذا عمل به بنية قلب أو فعل؛ ألا ترى إلى قول معاذ بن جبل: «اعلموا ما شئتم أن تعلموا، فإن اللّه عزّ و جل لا يأجركم على علم حتى تعملوا»[٢].
و نيّته للعمل به عند طلبه للعلم عمل، فبمعرفته بعظيم الخطر يذلّ و ينكسر، و بمعرفته بعظيم الحجة عليه يزول عنه الكبر؛ أن يتكبر على من دونه.
[١] - أخرجه ابن المبارك فى الزهد ص ٢١( ٦٣).
[٢] - أخرجه ابن المبارك فى الزهد ص ٢١( ٦٢) و أبو نعيم فى الحلية ١/ ٢٣٦، و ابن عبد البر فى جامع بيان العلم ص ٢٨٤.