الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٢١ - باب التكبر بالعلم و العمل خاصة
و لو لم يعظم خطره و لم تعظم الحجة عليه، و أيقن أن اللّه عز و جل قد رفعه بعلمه على من دونه، لكان حريّا- إن كان باللّه عز و جل عالما- ألا يتكبر على من دونه، فيزول عن منزلته، و يتضع عن رفعته، إذ علم أن اللّه عز و جل واضع بالكبر من تكبر على من دونه و مذله و مصغّره.
و إنما كررت هذا عليك لتفهمه، و تعرف أن الكبر لا يليق و لا يصلح و لا ينبغى لأحد سوى اللّه عز و جل، إذ كل ما سواه مملوك ذليل لربه عزّ و جل، كما يروى عن أبى هريرة أن رجلا كان لا يعدى عليه، و كان يمر بدابته لا ينظر إلى أحد، فعرض له أبو هريرة فأخذ بلجامه، و قال له: «ما رأيك إلى شىء لا يصلح إلا للّه عزّ و جل تجعله لنفسك؟» قال: فانكسر الرجل و ما رأى منه بعد ذلك إلا خيرا و تواضعا.
قلت: فإذا تذكر هذا و تفكر فيه حتى يلزم قلبه معرفته، فذلّت نفسه لصغر قدرها عنده، و زال الكبر عن قلبه، حتى لا يرى أنه خير ممن دونه من المسلمين، و لا يزدريه و لا يأنف منه، هل يجزى ذلك عنه فيما يستقبل من عمره؟
قال: لا؛ لأن النفس قد تعطى العزم على التواضع و ترك الكبر؛ إذعانا منها للحق، إذ بهرتها معرفته، فعرف العبد صغر قدر نفسه، فلما عرف صغر قدر نفسه ذلّ و خضع، فتعطى النفس العزم عند هذه المعرفة، ثم تسهو أو تغفل فى غير ذلك الوقت فتتكبر و تتعظم، فتنقض ما أعطت من العزوم و تغير عن حالها تلك، من الخضوع و الذلة فتكبر و تعظم.
*****