الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٦٠٢ - باب الغرة بطول ستر الله تعالى و إمهاله للعبد
باب الغرّة بطول ستر اللّه تعالى و إمهاله للعبد
و منهم فرقة اغترّت بطول ستر اللّه عزّ و جلّ عليها و إمهاله لها، فلما دام لها الستر فلم يظهر للعامة منها إلا خير، و أثنت عليها و عظمتها؛ اغترت بذلك و ظنت أن ذلك لم يكن إلا و لها عند اللّه عز و جل منزلة عظيمة، و أنه محبّ لها، و هى مع ذلك كثير تخليطها، كثيرة التصنّع للعباد، و لا تعرى من العجب بعملها و الكبر على من دونها، قليلة الفطنة لكثير ذنوبها، قليلة الوجل و الإشفاق، لما رأت من الستر و حب الإخوان و ثناء العوام، فاغترت و ظنت أنها ناجية و أن اللّه عز و جل عنها راض، و أنه لو كان سخط عليها بما أسلفت من الذنوب لما ستر عليها، و لا حبّبها إلى كثير من الناس، و لا نشر لها الثناء، فهى مغترّة بذلك غير متفقدة لأنفسها، و لا تكاد تظن بها أكثر ذنوبها، قليل خوفها و حذرها.
قلت: فبم ينفى أحدهم ذلك؟
قال: بمعرفته بنفسه و أن الستر عليه حجة من اللّه عز و جل عليه، ليعلمه أنه لم يعجّل عليه، و لم يهتك ستره، ليستحى من ربه عز و جل، الذى ستر قبيحه، و أظهر له من الجميل ما لم يعلمه؛ فالستر عليه حجة من اللّه عز و جل، ليس بغرّة، و ثناء الناس إنما كان لستر اللّه عز و جل عليه، و لو أظهر اللّه عز و جل لهم ما يعلم منه لأبغضوه و مقتوه، و هو لا يحب أن يعلموا منه ما يعلم اللّه عزّ و جل منه من ذنوبه فيمقتوه، و اللّه عز و جل أولى أن يخافه؛ أن يكون قد مقته بما سلف من ذنوبه، أو قد مقته ببعض ما هو عليه مقيم.