الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ١٧١ - ما تقطع به التسويف للتوبة
و يضربون لها الآجال، كرجل يقول: حتى أتخذ معاشا يقيمني و يكفيني من غلة، أو مالا للتجارة، أو كرجل يقول: حتى يموت عيالي لعلهم إن يموتوا فأترك ما أنا فيه لأني لا أقوى على التوبة من العيال أو حتى يموت والدي، أو حتى أخرج من هذه البلدة، لأني لا أسلم فيها و لا أقوى على ترك مخالطة الناس، و لا ترك الاكتساب فيما لا يحل؛ فهذه الفرقة تقيم على المعاصي و تسوّف التوبة، و لا توجّه لطلب الخوف و لا تقوى عليه.
و أهل المنزلة الثالثة: أهل العمى و الجهل و الشرود على اللّه عز و جل، مقيمون على الذنوب، مغتبطون بما هم فيه من لذاتهم، لا يحدثون أنفسهم بالتوبة و لا يسوّفونها، فمنهم شبيه باليائس أن يتوب، لما هو فيه من غلبة المعاصي و من سوء الغذاء؛ و لعلّ كل ما هو فيه خبيث حرام، أو لما جنى من الجنايات التي لا يقوى على الخروج منها، كغصب الأموال و ما أشبه ذلك، و منهم من يخيّل إليه أن ذنبه ليس بعظيم، و أنه أمر هيّن لأنه خير- فيما يرى- ممن هو أعظم ذنبا منه، فلا يحدثون أنفسهم بالتوبة، و لا يضربون لها أجلا بالتسويف؛ فهؤلاء شرار المسلمين و فساق الموحّدين.
ما تقطع به التسويف للتوبة:
قلت: فأهل المنزلتين الأولين قبل هؤلاء، الذين يقيمون على بعض و يقلعون عن بعض، و الذين يقيمون على الكل، و كلاهما يحب التوبة و يسوّفها، فهما أقرب إلى التوبة، و مطالبتها عليهم أيسر من هذه الفرقة الثالثة، فبم يقطعان جميع التسويف؟
قال: الذي يقطعان بإذن اللّه التسويف به خلتان:
إحداهما: خوف المعاجلة بالموت أن يكون أجل اللّه عز و جل في روحه قبل