الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٩٦ - باب الغرة بالغزو و الحج و قيام الليل و صيام النهار
باب الغرّة بالغزو و الحج و قيام الليل و صيام النهار
و منهم فرقة اغترت بالغزو و الحج و قيام الليل و صيام النهار، فقد خيّل إلى أحدهم أنه من عمّال اللّه عز و جل، و المشتغلين به و الذابّين عن محارمه، فقد عمّى على أحدهم ذنبه، فهو غير مصحّح لمطعمه و ملبسه من الشبهات و غير ذلك، و جوارحه منتشرة عليه فى أكثر عمره فيما يكره ربه عز و جل، و هو غير متفقد لنفسه، لا يخيّل إليه أنه ينبغى لمثله أن يتفقد نفسه، و إن علم منها ببعض التفريط هان عليه لما عنده من العبادة و العلم و الغزو و الحج.
و هو مع ذلك غير متفقد للإخلاص فيما يعمل، و لا عارف به دون تفقده.
قلت: فبم تنفى ذلك؟
قال: بتفقدها أنفسها، حتى تعرف أنها كانت مشتغلة بالنوافل عن واجب الحق و القيام بالفرض، فإذا تفقد ذلك أحدهم من نفسه، علم أنه كان يعد نفسه ممن جاز التقوى، و علا فى درجات النوافل، يخيل إليه أنه لا يعذب مثله، و أنه خاصة اللّه عز و جل من خلقه، هو و من كان مثله، و قد كان مع ذلك مضيّعا للخوف من اللّه عز و جل فيما أوجب و نهى عنه، فحينئذ يهتم بالتقوى، و يزداد إن قدر على ما كان يعمل، رجاء أن يكفر ما مضى من التضييع لحق اللّه عزّ و جل و التصنّع بعمله.
*****