الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٥٧ - باب التمييز بين الرجاء و الغرة
العقوبة، فعقوبته على قدر عفوه، فقال لعبده مع عظيم هذا الخطر: إن أنت أتيتنى غدا يوم السبت رضيت عنك، و أعطيتك من المال كذا و كذا، و أعتقتك و زوجتك و أخدمتك، و إن تأخرت إلى بعد غد، يوم الأحد، فأتيتنى يوم الأحد لم أعطك من ذلك شيئا. و غضبت عليك، و عذبتك عذابا شديدا، و سجنتك سجنا طويلا، فعرضت للعبد لذة، إن أصابها اشتغل عن مولاه أن يأتيه يوم السبت، و تأخر الذهاب إلى يوم الأحد، فاشتغل بلذته و رجّى نفسه عفو مولاه و رحمته، ناسيا مع ذلك شدة عقوبته، و إن ذكّرها ذكّرها بغير تعظيم ذكرا لا يمنعه عن الشغل يوم السبت و تأخير الذهاب إلى يوم الأحد، لما غلب على قلبه، من حلاوة لذته.
فآثر إصابة لذته على طاعة مولاه، فى إتيانه يوم السبت الذى وعده فيه بالرضاء و الثواب، فأخّر الذهاب إليه إلى يوم الأحد، لئلّا تفوته لذّته، و قد علم أنه قد توعّده إن أتاه يوم الأحد أن يغضب عليه، و يحرمه ما وعده، و يعاقبه بأشد العقوبة، فتشاغل يوم السبت بلذّته، و هو طيب النفس بما تذكره نفسه من الرجاء، فقد قطعه ذكر الرجاء عن خوف العقوبة، تاركا للذهاب فى اليوم الذى وعده فيه الثواب، و يرجو الثواب و العفو مع التأخير للذهاب فى اليوم الذى توعّده فيه بالغضب و العقاب، و هو ناس للعقوبة، تارك للذهاب، لينجز ما وعده من الثواب فى يوم السبت، متمن لعفوه، يقول لنفسه: أذهب يوم الأحد، فيعفو عنّى مولاى و يرضى، و يعطينى ما وعدنى من المال، و يزوجنى و يخدمنى. قد أنساه هذا الذى ترجّيه نفسه خوف مولاه و حذره، و لم يترك لذته القاطعة له عن طاعة مولاه.
ألم يك هذا مغرّرا بنفسه، مخاطرا ببدنه، تاركا للوثيقة و الاحتياط لنفسه،