الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٢٠ - باب العبد يحدث إخوانه ببعض ما يقوى عليه من العمل ليحضهم على ذلك
بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم.
و قال شداد بن أوس: ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت حتى أزمّها و أخطمها غير هذه الكلمة. فكان قال لغلامه: ايتنا بالسفرة نعبث بها حتى يدرك الغداء.
و قال أبو سفيان بن الحارث لأهله لما حضرته الوفاة: لا تبكوا عليّ فما أحدثت حدثا منذ أسلمت.
و قالت عائشة: قال أسيد بن حضير و كان من أفاضل الناس: ثلاثة أكون عليهنّ لو كنت في سائر الأشياء كذلك لكنت[١]: ما تبعت جنازة قط فحدثت نفسي بغير ما هي صائرة إليه، و إذا قرأت القرآن، و إذا سمعت النبي صلّى اللّه عليه و سلم.
و قال عمر بن عبد العزيز: ما قضى اللّه لي بقضاء فسرّني أن يكون قضى لي غيره، و لا أصبح لي هوى إلا في مواقع قدر اللّه عزّ و جلّ.
فقد فعل هذا هؤلاء الأئمة و لا يظنّ بهم إلا الخير، و الحضّ لغيرهم على الطاعة، و ليس ذلك إلا لمن قوى و كان يعلم أن الذي يظهر ذلك له يضعه موضع القدوة، و إلا كان قد وضع القدوة في غير موضعها و إن قوى عزمه و لم يرد به الرياء، لأنّا قد رأينا و جربنا من العباد أن الإمام كالخليفة و العالم إذا أظهر الصوف، أو لباسا شنعا من التقشف، أو تكلم في العامة أو حضهم على خير يعلمون به اتعظوا بذلك و خضعوا؛ لأنه إمامهم و هو موضع قدوتهم، و رأينا غيره ممن لا يعرفه العامّة أو يعرفه بعضهم بالعلم و الفضل و لا يضعونه موضع قدوة، قد يفعل ذلك فيستهزأ به، فمن لم يكن للعامّة إماما فذلك غلط أن يفعله في العامّة، فمن كان لهم إماما فجائز له إذا كان قويّا؛ كما روى عن
[١] - أي لو كنت في سائر الأشياء مثل ما أكون في هذه الثلاثة لكنت أفضل الناس أو أحسن الناس.