الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٤
أما الذين خاضوا فى علم الكلام فقد كانت حملة أهل الحديث عليهم أشد و أشنع، و خصوصا بعد أن حدثت فتنة خلق القرآن التى كان لمتكلمى المعتزلة فيها يد طولى، و قد بلغ إنكارهم لعلم الكلام و أهله مبلغا كبيرا، حتى إن الشافعى (ت ٢٠٤)- شيخ أحمد بن حنبل- يقول: «ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح»[١] و يقول: «لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير من أن يلقاه بشىء من الكلام»[٢] و يقول: «حكمى فى أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد، و يحملوا على الإبل منّكسين، و يطاف بهم فى العشائر و القبائل، و يقال: هذا جزاء من ترك الكتاب و السنة و أخذ فى الكلام»[٣].
و أما الإمام أحمد فنهى عن مجالستهم و إن دافعوا عن السنة، فقال: «لا تجالسوا أهل الكلام و إن ذبوا عن السنة»[٤].
و لما كان التصوف فى هذه الفترة قد بدأ يأخذ شكلا جديدا بالتعمق و التدقيق فى خطرات النفس، و فى المحاسبة الشديدة للنفس و أخذها بالشدة على نحو غير مسبوق، فإن علماء الحديث، و على رأسهم الإمام أحمد بن حنبل قد توقفوا فى قبول ذلك، و اعتبروه بدعة لم يسبق إليها الصحابة و التابعون، فقد روى ابن الجوزى بإسناده عن أبى يعقوب إسحاق بن حبة الأعمش قال: سمعت أحمد ابن حنبل سئل عن الوساوس و الخطرات فقال: «ما تكلم فيها الصحابة و لا التابعون»[٥].
قال الحافظ ابن رجب الحنبلى: «و إنما ذم أحمد و غيره المتكلمين على
[١] - حلية الأولياء ٩/ ١١١.
[٢] - السابق، و المجموع للنووى ١/ ٤٨.
[٣] - حلية الأولياء ٩/ ١١٦.
[٤] - مناقب الإمام أحمد لابن الجوزى ص ١٥٦.
[٥] - مناقب الإمام أحمد ص ١٧٦.