الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣١٥ - باب إظهار العمل ليقتدى به
باب إظهار العمل ليقتدى به
قلت: فما تقول فى إظهار العمل ليقتدى بي فيه، كفعل الأنصاري الذي جاء بالصرّة فتتابع الناس بالعطية لما رأوه، فقال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: «من سنّ سنّة حسنة فعمل بها كان له أجرها و أجر من اتبعه فيها»[١]؟
قلت: فهل تجري الأعمال هذا المجرى من الصلاة و الصيام و الحج و الغزو و غيره؟
قال: أما الصدقة فإن الناس فيها متقاربون في القدوة؛ لأنها عطف و رحمة و إعانة الملهوف، فإذا أظهر العبد ذلك لغيره كان فيه حض لغيره و ترغيب في الصدقة، إلا أنه لا ينبغي لعبد أن يتعرّض لإظهارها حتى يعلم أنه قد أراد اللّه عزّ و جل بذلك، و أنه لم يجزع من أن يسرّها، و لا أحب إظهارها لقلة القنوع بعلم اللّه عز و جل و محبّة منه أن يعلم الناس بصدقته، و لكن جزعا أن يفوته عظيم الأجر أن يصيبه فى غيره مع أجره على صدقته، فلم يقنع بأجر الصدقة وحدها حتى أحبّ أن يحضّ بفعله عليها غيره؛ ليؤجر فيه مع أجره على صدقته.
و في الصدقة معنى آخر خاصة: سترها خير من القدوة إذا كان المتصدّق عليه يؤذيه ذلك و يكرهه، فترك أذى المؤمن أفضل، و قد اختلف فى قول اللّه عزّ و جل: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى[٢].
[١] - الحديث عن جرير بن عبد اللّه البجلي، سبق تخريجه ص ٢٨٨.
[٢] - البقرة: ٢٦٤.