الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٤٣٣ - باب ما ينفي به العجب بأعمال الطاعة
باب ما ينفي به العجب بأعمال الطاعة
قلت: فبم ينفى العجب بالدين حتى يسلم منه العبد؟
قال: أما العجب بالحق و الطاعة من العمل و العلم و الرأى الموافق للحق و الصواب، فيذكر النعمة فيه؛ أن ذلك بمنّة اللّه عز و جل و فضله، و لولا منّته بذلك لما نال ذلك أحد أبدا من نفسه، لأن النفس لو تركت لما فعلت ذلك، و لا كان منها، لأن محبتها كانت فى خلاف ذلك حتى نبّه اللّه عزّ و جلّ العقل، فقهر به هوى النفس، و عزم له على الرشد، فخالف محبة النفس و شهوتها، لأن العبد لا يكاد يأتى برّا إلا و شهوتها فى ضده، إن قام الليل فشهوتها فى راحتها من التعب، و فى نومها فرارا من السهر، و كذلك إن صام فشهوتها فى الإفطار، لما بنيت عليه من حب الغذاء: من الطعام و الشراب، و حبّها الراحة إلى النكاح و غيره.
و كذلك جميع أعمال الطاعات، فلم تكن لتعمله لو تركت فيذكر و يعترف أنما العمل من اللّه عز و جل نعمة أنعم بها عليه؛ لا ابتداء من نفسه، و أن عليه فى ذلك الشكر، و أنه غير قائم بالشكر على ذلك، مقصر عن شكره، لم يستأهل ما منّ عليه به، بل يستأهل أن يسلبه، لتضييعه شكر نعم اللّه عز و جل عليه.
قلت: قد يكون من البرّ ما لا تعب عليها فيه، كالسكوت عن الخوض فى الباطل، و كغض البصر، و ترك الغيبة، و ترك الخوض فى الآثام و الفضول،