الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٤٣٤ - باب ما ينفي به العجب بأعمال الطاعة
و الفكر فى القلب و الذكر.
قال: إن ذلك كله يثقل عليها، لأنه و إن لم يكن لها متعبا فإنه مشغل لها عن محبّتها و هواها، لأن راحتها فى محادثة الخلق و استراحتها، لتخرج ما يجول فى القلب، و كذلك غض البصر عن النظر إلى ما تهواه و تشتهيه، كذلك الفكر و الذكر بالقلب للآخرة شاغل عن النظر فى راحة الدنيا و الفكرة فيها، فذلك يثقل عليها، و يشغلها عن راحتها و محبّتها.
فقد صح لأولى النهى أن ما نالت من البرّ و الطاعة كان يخالف محبتها؛ للتعب الذى يدخل عليها أو منعها من راحة أو لذة تنالها، فهذا دليل بين و شاهد واضح عليها، أن الذى أدخلها فى خلاف محبّتها غيرها، و هو مليكها المتفضل عليها بذلك، فله الحمد و الشكر وحده.
فإن رجعت إلى صاحبها بالدعوى منها: أنها هى التى عملته و انتحلته، فحمدها على صبرها و قوّتها، فليرجع إليها بهذه المعرفة التى يجدها فى نفسه و طبعه، و كفى بإخبار اللّه عزّ و جلّ عنها أنها أمارة بالسوء إلا ما رحم الرب و تفضل به المولى. فليرجع إليها بهذه المعرفة، و أنها مبطلة فيما تدعى، مباهتة به، و كيف جاز لها ادعاء ما كانت تحبّ خلافه، و يثقل عليها فعاله، و كانت جاهدة أن تصدّ عنه. فكيف تدعى أن منها ما كانت تأباه و تحرص على خلافه، و تنازع بعد الدخول فيه إلى قطعه و ترك تمامه، فذلك منها بهت، و من تصديق العامل لها جهل و حمق.
قلت: فقد يجد العامل للّه عز و جل، القوىّ العزم، الزاهد فى الدنيا، المواظب على الطاعات نشاطا من نفسه للطاعة، و شهوة منها لها، لا تكاد تصبر عنها، كأنها طبع منها، بل قد يكون فى بعض الحالات أكثر من الطبع،