الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٦٠ - باب الرجل يحضر القوم يصلون فتحضره نية العمل و إن لم يكن يفعل ذلك في خلوة أو يبكون فلا يجد البكاء
له عن القيام، فحضرته أسباب تهيّجه على ذلك و تحركه عليه؛ و ذلك رؤيتهم و هم يصلون فيحركونه بصلاتهم، و يجد الغبن[١] أن يسبقوه بصلاتهم، و ربّما لم يأخذه النوم لاستنكار الموضع، أو لأصواتهم و حركاتهم، فيستغنم ذهاب النوم، فيجعل سهره في صلاة، و قد لا يستنكر الموضع و يمكنه النوم، و لكن حركوا قلبه للقيام، و زالت عنه الأسباب المشغلة له، و إنما هي ليلة أو ساعة أو ليال قليلة أو يوم واحد، ثم ينقطع، فيخف على النفس، لقلّة الدوام على ذلك، و يغتنم ذلك إذا وجد على نفسه أعوانا يحركونه للقيام بصلاتهم، فقد تحضره النيّة الصادقة بذلك. و قد يكون ذلك خدعة من نفسه تخيّل إليه أنه صادق يريد اللّه عز و جل، بذلك لما حركوه بقيامهم، و إنما هو جزع من ذمهم له و النظر إليه بالنقص أن يقولوا في أنفسهم: ليس هو ممن يقوم الليل، أو ما كنّا نظنّه إلا صاحب قيام بالليل، أو كنّا نظنّه يصلي أكثر مما صلى هذه الليلة، أو جزع أن يكسّلوه[٢] إذ لا يتحرك بحركتهم.
قلت: فما الفرق بين الهمتين، و بين المعنيين؟
قال: الفرقان بينهما: أن يعرض على نفسه أن لو كان وحده، و زالت عنه الأسباب التي كانت تشغله في موضعه، أو علم بصلاتهم، فرآهم يصلون من حيث لا يرونه، و لا يعلمون به، فيخاف مذمّتهم، إن هو لم يصل كما يصلون، و علم بهم من وراء جدار، أو ساتر لهم عنه، فعلم بهم و لم يعلموا به، و يحركوه بمثل ما حركوه به، و هم لا يرونه، أكان قائما أم لا؟
فإن طابت نفسه بذلك فليصلّ ما بدا له، و إن لم تطب نفسه فلا يزيد على
[١] - الغبن: النقص و الخسارة.
[٢] - يعني يقولون عنه: إنه كسلان، قليل القيام بالليل.