الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٤٥ - باب معرفة قوة الإخلاص على منازعة النفس عند العارض و النفي له
أو ذكر، يخافون أن يفوتهم منه بقدر إبطائهم عنه في طريقهم، أو صلاة في جماعة أو جمعة، فمرّ أحدهم برجل من أهل الضلالة، فعرض له بالتثبّط و النهي عن الذهاب يريد أن يصدّه، فلما رآه يأبى أن يرجع قبل أن يجادله، فقام عليه يجادله و يخاصمه، و الضال يحب طول المجادلة بينهما؛ ليفوته بقدر ما يحبسه بخصومته.
و مر الثاني عليه فنهاه عن الذهاب إلى الموضع الذي يريده، فوقف منتهرا له رادّا عليه، فاغتنمها الضالّ بقدر ما يفوته يحبسه بالوقفة عليه.
و مر الثالث و هو يمشي ماشيا أو راكبا، فعرض له بالنهي و التثبط، و قد علم ما لقى أصحابه من الحبس فمضى و لم يقف و لم يحدث معنى.
و مرّ الرابع و قد علم ما لقى أصحابه من الحبس، فلما أحس بصوته إن كان ماشيا سعى، و إن كان راكبا حرك راحلته بالسرعة؛ ليغيظه و ليدرك ما يطلبه تامّا، و لا يكون كأصحابه الذين قبله، فيوشك إن عادوا عليه، أن يعرض لهم و يدع هذا الرابع، لأنه اتخذ دعاءه عبرة و زيادة في الخير بالسرعة إليه و الإعراض عما دعا إليه العدو، و كذلك القوى الكيّس من المخلصين.
قلت: فكيف يكونون قبل الاعتراض بالدعاء؟ أمنتظرين له بالحذر قبل أن يعرض حتى إذا عرض عرفوه؟ أو يشتغلون عنه بالتوكل على اللّه عز و جل، و بالطاعة حتى يكون هو الذي يزجر عدوهم عنهم؟
قال: قد قال الناس في ذلك أقوالا كثيرة مختلفة، عامتها غلط إلا قولا واحدا.
فأحد ما قالوه أن فرقة من البصريين قالت: إنما يحتاج إلى الحذر من ذلك الضعفاء، فأما الأقوياء فقد انقطعوا إلى اللّه عز و جل و اشتغلوا لحبه، فليس