الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٩٧ - باب ما ينال به اجتماع الهم
باب ما ينال به اجتماع الهم
قلت: فاجتماع الهمّ بم ينال؟
قال: بخلتين:
إحداهما: قطع شغل الجوارح عن كل شىء سوى ما يريد أن يتفكر فيه؛ لأن النظر بالعين يلهى القلب و يشغله، و استماع الأذن كذلك، و مسّ اليد كذلك، إلا نظرا أو استماعا يستعين به على ما يريد أن يتفكر فيه، كالرجل يعظك فتستمع له لتفهم ما يقول أو تنظر إليه، أو القراءة في المصحف، أو الصحف فيها العلم.
و قد وصف اللّه عزّ و جلّ بذلك من فهم عنه فقال: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ[١].
قال عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه: حدّث القوم ما حدقوك بأبصارهم.
و كذلك أن تنظر إلى الأشياء لتعتبر بها، فأما ما سوى ذلك فلا تشغل جوارحك بشىء من أمر الدنيا، فإذا أردت أن تفكّر، خاليا كنت أو مستمعا أو معتبرا، فاقطع شغل جوارحك بالدنيا، فإن ذلك يغلق عنك الفكر.
و من ذلك قوله عزّ و جلّ: إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَ إِذْ هُمْ نَجْوى[٢].
[١] - الزمر: ١٨.
[٢] - الإسراء: ٤٧.