الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ١٦٢ - باب في الأمرين من أمور الله تعالى يعرضان بأيهما يبدأ؟
أيضا الملال و الشغل عن اللّه عزّ و جلّ فيه، و أيضا: إذا هو أقل سلامة و أقل زيادة في القلب لم يؤمن عليه ألا يسلم فيه، و إن سلم لم يزدد فى قلبه كما يزداد في الذي قد نشط له القلب و فرغ له.
و إن لم يتبيّن له لم خفّ عليه أو لم ثقل، فأحبّ إليّ أن يأتى الذي هو أثقل، لأنه لم يتبيّن له أن الخفة إنما كانت من قوة قلبه و طلبه السلامة و الزيادة في العمل فهو إلى الهوى أقرب منه للخشية، لما جرّب العمّال من أنفسهم، و لما طبعوا عليه من خفّة ما وافق شهواتهم من الدنيا، و ثقل ما نافر هواهم من عمل الآخرة.
و لقوله عزّ و جلّ: فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً[١]، وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ الآية[٢].
فرجّانا الخير في المكروه و خوّفنا الشرّ في المحبوب، و لو شاء جلّ ثناؤه لقال:
عسى أن تحبّوا شيئا و هو خير لكم، و عسى أن تكرهوا شيئا و هو شرّ لكم، و لكن نبهنا لما هو أغلب علينا و لما بنانا عليه و طبعنا، و هو أعلم بنا، فمن أجل ذلك اخترنا للعامل أن يجانب ما خفّ عليه؛ تحرزا و خوفا لما خوّفنا ربّنا جلّ و علا.
فإن استويا في الخفّة فلم يقدر أن يعرف أخفهما، أو استويا في الثقل فلم يقدر أن يعلم أيهما أثقل، فإنه لا يؤمن أن يكون له في أحدهما هوى غامض يهيج عند مباشرته أو يعرفه بعد تقضيه و فراغه منه، فليعرض نفسه حينئذ على الموت، أيهما يحبّ أن يأتيه الموت و هو عليه، فإن النفس المؤمنة و إن كانت
[١] - النساء: ١٩.
[٢] - البقرة: ٢١٦.