الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ١٦٤ - باب في الأمرين من أمور الله تعالى يعرضان بأيهما يبدأ؟
و قال ابن جريح في قوله تعالى: بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ:
لما عرفوا أن محمدا صلّى اللّه عليه و سلم حقّ فكتموه و كذبوا بالحق.
قال قتادة: لأنه تلا عليهم: ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ[١] و قال: «إن اللّه عز و جل، أذلّ ابن آدم بالموت». رفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه و سلم[٢]، فالمؤمن أولى أن يجزع مما يكرهه اللّه عز و جل، أن يأتيه الموت عليه.
و قال بعض العلماء: انظر كل أمر تكره أن يأتيك الموت عليه فاتركه.
فإن لم يدر لم جزعت نفسه فليأت ما لم تجزع النفس، لأنها لم تجزع إلّا لبلية، و إن سترها الهوى عنه، و ما يكاد يكون ذلك، و إن لم تبال على أيهما أتاه الموت فليبدأ بأيهما شاء، فإنه قد وزن العمل قبل أن يوزن، و عرضه قبل أن يعرض، و فتش من نفسه قبل أن يفتّش، و الموت معيار العابدين فيما يشكل عليهم من همومهم في أعمالهم، و يبيّن الاستعداد له كلّ ما خفى عليهم من قصد ضمائرهم و أهوائهم في أعمال جوارحهم، لأنهم لا يستعدون لمن يعلم السرّ، و لا يخفى عليه غوامض الصدور، إلا بما لا خدعة فيه و لا التباس.
قلت: أجمل لي جملة الأولى فالأولى مما هو أوجب و أفضل بعد تفسيرك هذا، لأحفظه مختصرا مع ما عرفتني مفسّرا.
قال: إذا عرض للعبد أمران واجبان في وقت واحد بدأ بأوجبهما قبل الآخر الذي هو دونه في الوجوب.
أو عرض له أمران واجبان، لأحدهما وقت يفوت و الآخر لا يفوت وقته، بدأ
[١] - الجمعة: ٨.
[٢] - عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢١٦ لعبد الرزاق و ابن المنذر.