الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٦١٧ - باب من الحسد و ليس بالحسد بعينه
باب من الحسد و ليس بالحسد بعينه
و من الحسد- و ليس به بعينه- المحبة ألا يصير إلى من يحسده خير، كما قال اللّه عزّ و جلّ: ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ لَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ[١].
فالمحبة بألا يصير إليه خير و التمنى له البلاء، فعل من العبد يكون عن الحسد، فإن طلب علما لم يحبّ أن يتمّ له، و كذلك إن طلب خيرا من خير الدنيا و الآخرة لم يحب أن يتم له من ذلك شىء، و ذلك قبل نزول النعم بالعبد.
و أما الحسد: فكراهة النعم و حب زوالها، بعدما يمنّ بالنعم على العبد، فيعلم الحاسد بالنعم عليه من اللّه عزّ و جلّ، فيغتم لها حينئذ، و يحب زوالها.
قلت: فأخبرنى عن الحسد الذى هو منافسة مم يكون؟.
قال: ما كان فى الدين فمن حبّ طاعة اللّه عزّ و جلّ، و العزم على القيام بها لو أعطى أسبابها التى بها ينال، و ما كان من دنيا فمن حبه الدنيا و حبّ سعتها و النعم بها.
قلت: فمم يكون الحسد المحرّم؟.
قال: يكون من الكبر و العجب، و الحقد، للعداوة و البغضاء و الرياء و حبّ المنزلة و الرياسة أن يعلوه غيره، و شح النفس بالخير عمّا يجده العبد على قلبه، إذا رأى النعم بغيره فى كثير من الناس من قرابته أو أشكاله أو أمثاله و غيرهم ممّن هو مثله و فوقه و دونه، لا تسخو نفسه بالخير لهم.
[١] - البقرة: ١٠٥.