الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٨٢ - باب منازل التوابين
غفل عن الذكر و سهى عن الفكر، نازعته نفسه فمال إلى بعض الزلل، الذي لم يعر من مثله الصالحون عند غفلاتهم و سهوهم، ثم يرجع إلى اللّه عزّ و جلّ بقلب طاهر من الرين و الدنس، قد فطمه عن عادته، و أعقبه بالخوف من الأمن و الإصرار، و بالرجاء الصادق من الغرّة و التسويف، فهو من سالف ذنوبه هارب، و لرحمة ربه عزّ و جل بهربه طالب، حتى يلقاه آمنا من عذابه.
و قد جاء في الحديث عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم: «إن العبد ليذنب الذنب فيدخله ذنبه الجنّة». قيل: يا رسول اللّه، و كيف يدخله ذنبه الجنّة؟ قال: «لا يزال نصب عينيه تائبا منه هاربا منه، حتى يدخله الجنّة»[١].
و قيل لسعيد بن جبير: من أعبد الناس؟ قال: رجل أصاب من الذنوب فإذا ذكرها اجتهد، و روى عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم، أنه قال: «خياركم كل مفتّن تواب»[٢].
يخبرك: أن خيار أمته لن يعروا من الزلل، و أنّ علمهم باللّه عزّ و جلّ لن يدعهم حتى يرجعوا إليه بالتوبة و الإنابة.
و الثالث: مصرّ على ذنبه، مقيم على سيئاته، يغلبه الهوى و ضعف
[١] - الحديث مرسل عن الحسن، أخرجه ابن المبارك في الزهد( ١٦٢)، و أحمد في الزهد، و أخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة مرفوعا:« إن العبد ليذنب ذنبا، فإذا ذكره أحزنه ما صنع، فإذا نظر اللّه إليه أحزنه ما صنع غفر له»، و قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٩٩:« فيه داود بن المحبر، و هو ضعيف».
[٢] - المفتن: أي الممتحن، الذي يمتحنه اللّه بالذنب ثم يتوب، و الحديث إسناده ضعيف، و هو من رواية علي بن أبي طالب، أخرجه القضاعي في مسند الشهاب ٢/ ٢٣٩( ١٢٧١)، و الديلمي ٢/ ٢٧٥( ٢٦٨٤)، و روى بلفظ« إن اللّه يحب العبد المؤمن المفتن التواب» أخرجه عبد اللّه بن أحمد في زوائد المسند ١/ ٨٠، ١٠٣، و أبو يعلى ١/ ٣٧٦( ٤٨٣) و قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٠٠:
« و فيه من لم أعرفه».