الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٦٨ - باب ما ينفي به التصنع للمخلوقين في التصنع و الحزن
شىء و لا مغبون، فإن ذكر هذا بعقل عن اللّه عزّ و جل، و لم يزد على ما تكلّفه للّه عزّ و جل، و لا على ما هاج منه، و هو لا يملكه، و لم يحب حمدهم على ذلك، و لم يتزيد فيه بتحزين، و لا يطول مكثه في سقوطه، و لا إظهار ضعف في إفاقته؛ و كذلك تنكيس الرأس و الإظهار للانكسار فى مشيته و صوته و صلاته، و عند الذكر، و لم يهج من القلب خوف يكسره ينكس له رأسه، و ينكسر له بدنه، و يخشع له قلبه، و لم يتكلف حياء من نظر اللّه، أو طلب السلامة أن لا ينظر إلى ما لا يقرب إلى اللّه عزّ و جل، و لا يمزح و لا يبطر، ليذلل نفسه بذلك للّه عز و جل؛ و ذلك فعال المنافقين، كما جاء في الحديث «تعوذوا باللّه من خشوع النفاق» قيل: و ما خشوع النفاق؟ قال: «أن يخشع البدن و القلب ليس بخاشع»[١].
و كذلك إظهار الاستغفار و الاستعاذة باللّه عزّ و جلّ، من عذابه و غضبه.
و قال عمر، رضي اللّه عنه: لا يزيد الخشوع على ما في القلب.
قلت: فبم ينفي ذلك؟
قال: بذكر نظر اللّه عز و جلّ إليه، و خوف مقته، و قليل ما يرجع إليه من العباد، بل لا يرجع إليه منهم شىء يزداد به في منفعته في دين أو دنيا، فمن الذي تطيب نفسه أن يتعرض لمقت اللّه عز و جل، و يحبط عمله في الآخرة لغير منفعة ينالها في دين أو دنيا؟ ما يفعل هذا إلا كافر أو أحمق ذاهب العقل، أو فاجر على اللّه متمرد لا يكترث بغضبه و لا بعقابه.
[١] - الحديث عن أبي الدرداء أو أبي هريرة من قوله موقوفا، أخرجه ابن المبارك في الزهد( ١٤٣) و أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٤/ ٥٩( ١٧٥٦٠) عن أبي الدرداء، و عزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٣ لأحمد، عن أبي الدرداء.
و عزاه السيوطي في الموضع ذاته للحكيم الترمذي و البيهقي في الشعب من حديث أبي بكر الصديق مرفوعا.