الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٦٢٧ - باب ما يكون من الحسد عن العجب
من بعضهم إلى بعض أسرع منه إلى غيرهم، يحسد القوم عالمهم و يعظّمون العالم الغريب؛ لأنه ليس مثلهم و لا يساويهم فى النسب أو الجوار.
و من ذلك ما يروى: أن كعبا قال لأبى مسلم الخولانى: كيف أنت فى قومك؟ قال: مطاع، قال: كذبتنى إذا التوراة، ما من حكيم فى قوم إلا حسدوه و كبروا عليه.
و من ذلك ما يروى هشام بن عروة عن أبيه قال: كان يقول لنا: يا بنىّ إنه كان يقال: إن أزهد الناس فى العالم أهله، فقد يكون ذلك من الحسد و يكون من غيره و قد يزهد القوم فى الرجل يكون منهم؛ حسدا له، فيحسد القوم العالم منهم إنكارا و تعجبا، كيف يفضلهم من هو مثلهم و منهم؟.
و كذلك الشركاء، و كذلك من النساء الضرائر، و منه قول أم رومان لعائشة قالت لها لما رماها أهل الإفك: يا بنيّة، خفّضى عليك الشأن- أى هونى عليك هذا الأمر- فإنه قلّ امرأة وضيئة عند رجل لها ضرائر إلا أكثرن عليها[١].
و كذلك المشتركات فى عامة الأشياء، من النسب و التجارة و البضاعة و الشجاعة و الجمال و القوة و الصوت و العمل و العلم، يسرع الحسد من بعضهم إلى بعض ما لا يسرع منهم إلى غيرهم.
فهذه مذاهب الحساد.
فجملة الحسد المحرم من الحاسد: كراهة ما يرى من غيره من النعم، و حبّ
[١] - هذا جزء من حديث الإفك من رواية السيدة عائشة، أخرجه البخارى فى الشهادات ٥/ ٢٦٩- ٢٧٢( ٢٦٦١)، و فى المغازى ٧/ ٤٣١- ٤٣٥( ٤١٤١)، و فى تفسير سورة النور ٨/ ٤٥٢- ٤٥٥( ٤٧٥٠) و ٤٨٧( ٤٧٥٧)، و مسلم فى التوبة ٤/ ٢١٢٩- ٢١٣٧( ٢٧٧٠/ ٥٦)، و الترمذى فى تفسير سورة النور ٩/ ٢٩- ٣٦( ٣٢٣٠)، و أحمد ٦/ ٦٠، ١٩٥، ١٩٨.