الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ١١٤ - باب معرفة هل يعطي الحذر و الاهتمام فيما يستقبل ما الدليل على ذلك؟
العذاب عليه، و مع هذه الأسباب المكدّرة في الدنيا و الآخرة لن ينال من ذلك إلا ما قدّر له.
و هذا يهتم لطلب باق كثير لا يفنى، مع نعيم مقيم و عيش سليم، قد أزيلت عنه الأمراض و الأسقام و رفعت عنه الهموم و الغموم و الأحزان، و لا يختم بموت أبدا و لا حساب و لا تبعه فيه عليه، و المولى راض عنه، و هو مسرور بما يتقلب فيه من نعيم الآخرة، باق فيه أبدا، و لا يشاء شيئا إلا بلغت فيه مشيئته، في حياة ليس فيها موت، و نعيم لا يخاف فيه أبدا له فواتا، مجاور للملك القدوس الأعلى في داره، لا يخاف سخطه بعد رضاه، ثم ما رضى له بذلك حتى أكمل له بغاية الكرامة، و قرّبه إليه في الزيارة، و أنجز له ما وعده من الرؤية و النظر إلى وجهه الكريم عزّ و جلّ، إذ يقول، جلّ من قائل: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ[١].
و أعظم به من مجلس، و أكرم به من زائر و مزور، و ناظر و منظور إليه، و مقبل و مقبل عليه، متردّد فيما بين نعيمه و لذاته، و النظر إلى وجهه جلّ و عزّ، فشتان: ما بين الهمتين، و شتان بين الغايتين.
فإذا كان هذا النائم يوقظه اهتمامه لهذا الفاني المنغّص المكدّر بعد ذهاب عقله، فالهم للباقي الهنىء السليم، و الحذر من فوته مع الحلول في العذاب الأليم- أولى أن يتيقظ له العقل، و لم يذهب بنوم، فإذا اهتم و حذر تيقظ و إذا تيقظ ذكر، فإذا ذكر تثبّت، فإذا تثبّت تفقّد، فإذا تفقّد نظر، و إذا نظر بالنور- و هو العلم- أبصر، و إذا أبصر تبيّن.
[١] - القمر: ٥٤، ٥٥.