الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥١٢ - باب نفي الكبر و تعريف العبد قدره
قلبه تصديقه- أن ذلك كائن إلا أن يعفو عنه مولاه، و أن ذلك واجب عليه، و العفو شك لا يدرى أيكون أم لا؟ ألم يكن ينكسر عن شره و بطره و فرحه و تكبره حتى يكون أذلّ الناس فى نفسه، و أشدهم خضوعا و ذلّا و مسكنة لما قد حكم به عليه مولاه، و لما يتوقع فى السرعة و المعاجلة أن يؤخذ بغتة حتى يمضى فيه كل ما حكم مولاه عليه به، فما كان يمتنع من ذلك كله أن يذلّ و يخضع.
فكذلك ابن آدم، إذا تذكر فى تضييعه كثيرا من عمل مولاه مما أوجب عليه، و ما أفسد مما عمله فيه مما أدخل فيه من الرياء و العجب و غير ذلك، و ما ذهب من عمره فيما أفناه من اتباع هواه و نسيان مولاه، و أن الموت نازل سريعا عاجلا، فيخرج إلى قبره، فيبلى فيه، ثم يخرج إلى القيامة فيوقف، حتى يبلغ به غاية المجهود، فيعرضه مولاه، ثم يحاسبه بكل ما عمل وضيع و أفنى من عمره، ثم يأمر به إلى عذابه الذى لا يشبه عذاب الدنيا و لا عقوبتها، لا يشك أن العذاب قد وجب عليه، و إنما يرجو العفو على شك لا يدرى أيفعل ذلك به أم لا، فإنه إن عفا عنه فهو لا شك أنه سيعرض و يحاسب، و يوقف على ما ضيع من العمل و أفسد، و ما أتلف من عمره، و ما أنفق فيه ماله؛ أتراه كان يمتنع من أن يذل فى نفسه؛ و يزول عنه تعظمه و تكبره؟.
و بذلك يروى الحديث فى المساءلة عن النبى صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: «لا تزول قدما ابن آدم من بين يدى اللّه عز و جل حتى يسأل عن أربع: شبابك فيم أبليته؛ و عمرك فيم أفنيته، و مالك من أين اكتسبته، و فيم أنفقته، و عملك ماذا