الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥١١ - باب نفي الكبر و تعريف العبد قدره
و ناس بضعته التى وضع بها، فتذكر و تفكر فى العبودية أنه عبد ذليل مملوك، لا يملك نفسه و لا ماله، متوقع للمتالف أن يعترض بعضها له- أغفل ما كان- فى لذّته و تقلبه، و إن آخر مصيره إلى أن يتلف فيخرج من الدنيا و يزول عنه كل ما هو فيه، هل كان يمتنع- إذا صدق نفسه عن الخبر بالذكر و التفكر فى ذلك- من أن يذلّ فى نفسه و يخضع لمولاه، و يخشع له، و لموضعه الذى وضعه به من الخوف للمتالف؟.
و مثل العاصى للّه عزّ و جلّ، الذى وجب عليه العذاب فى حياته، كمثل عبد مملوك، له سيّد شديد النقمة، شديد السطوة، و هو يملك الأرض، لا يأمر بأمر إلا نفذ، و قدر عليه؛ فوكّله سيده بعمل، و نهاه عن أشياء تفسد ذلك العمل، و أعطاه مالا ينفقه على عمله، فغفل و سها و جهل، فضيع أكثر العمل فلم يعمله، و عمل قليلا منه، فأدخل فيه من الفساد و النقصان مما نهاه عنه مولاه، و أنفق المال فى لذّة نفسه و شهوتها، و هو فى ذلك مرح فرح بطر أشر متكبر يتقلب فى لذاته، غير مكترث لما ضيّع من عمل مولاه، و لا ما أفسد مما عمل له، و لا ما أتلف من المال الذى أعطاه، فأتاه خبر صادق: أن مولاه مرسل إليه من يخرجه من كل ما هو فيه، عريانا ذليلا، حتى يلقيه على بابه فى الشمس و الحرّ زمانا طويلا، معذبا بالشمس و الحرّ، حتى إذا بلغ ذلك منه غاية المجهود، دعا به فعرضه عليه، و أمره برفع حسابه، و نظر فى عمله، ما ضيّع منه، و ما أفسد منه، و ما أتلف من ماله، ثم يأمر به إلى سجن ضيّق و عذاب دائم، لا يروّح عنه ساعة، و لا يخرج من سجنه ذلك أبدا، و قد علم أن مولاه قد أخرج كثيرا من عبيده إلى العذاب و الهوان ممّن فعل كفعله، و قد عفى عن بعض.
هل كان يمتنع مع هذا الحظر- إذا بلغه هذا الخبر فتفكر فيه و تذكر، و لزم