الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٠٩ - باب نفي الكبر و تعريف العبد قدره
و مسكنته و صغر قدره فى نفسه مما يتقلب فيه من المكروهات، من غير مؤامرته[١]، و مما لا يكاد أن ينفك منه من الأسقام و الغموم، و الوجع و الجوع و الظمأ، و ما وجب عليه من العذاب و الهوان، و ما يصير إليه من الموت و البلى، و ما بعد الموت: مما يعاين من الأهوال، و ما يخاف أن يصير إليه من العذاب، زال[٢] عنه الكبر، و لزمه الخضوع و الذلّة و التواضع للمولى عز و جل، و الشكر للمنعم تعالى، و الانكسار للخوف من العقاب.
فإذا عرف ذلك عرف قدره و صغر قدر نفسه فى الدين و الدنيا عنده، و أمثال ذلك كثيرة.
و ليس كمثله فى صغر القدر مثل بدو ابن آدم إذا تفكر فيه، فصغر قدره عند نفسه، كرجل لم يزل عند نفسه من بنى هاشم، أخبره بذلك والده و كذبه فى خبره، فكانت نخوة الهاشمية فى نفسه، متعظم متكبر بحسبه، يحقّر من دونه، و يتفخر عليه، لأنه لا يشكّ أن الذى حدثه به والده عن أصله و حسبه قد صدقه فيه، فبينا هو فى نخوته و كبره و تعظّمه، إذ أتاه رجلان أو عدة رجال ممن يثق بهم، و لا يشك فى صدقهم، أصدق عنده و أبر من والده عن علم، يخبرونه عن كبر أسنانهم، و قديم معرفتهم بأصله، و أخبروه بينه و بينهم أنه من الخوز أو النّبط أو السند، فصدّقهم و لم يشك فى قولهم، و أن أباه قد كذبه و أخبره بالباطل، هل كان يمتنع أن يذل فى نفسه، و تنكسر تلك النخوة من قلبه؟ و إن أظهر غير ذلك إذا أيقن أنه على خلاف ما كان يرى و يظن.
و كذلك ابن آدم، يتكبر و يتعظم، حتى كأنه ليس أصله التراب و النطفة
[١] - يعنى من غير أخذ رأيه أو مشاورته فى شىء من ذلك.
[٢] - هذه الجملة جواب الشرط فى قوله« فإذا تذكر العبد ...».