الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٠٧ - باب نفي الكبر و تعريف العبد قدره
حتى يحاسب به و ينظر فيه.
ثم هو مع ذلك لا يأمن أن يسلب ملكه، فعليه فى ملكه مالك، و ليس هو لنفسه بمالك، و لا على ما أراد فيها بقادر، و هو مع ذلك مخالف لمالكه و مولاه غير شاكر له، و ناس غير ذاكر له، و قد ركب كثيرا مما قد نهاه عنه، و ضيع كثيرا مما أمره به، قد استوجب بذلك من العذاب ما إن لم يعف عنه كانت الخنازير و الكلاب خير منه و أفضل و أنظف و أطهر و أطيب و أرفع منه، لأن الخنازير و الكلاب تصير ترابا، و هو يصير معذبا أبدا[١]، لو وجد الخلائق نتن ريحه لماتوا من نتنه، و لو رأوه لصعقوا من وحشة خلقته، و لو قطرت قطرة من شرابه، الذى يشربه و يفزع إليه ليسكن به عطشه، على جبال الدنيا لأذابتها، مخلّد فى غاية الذل و الخضوع و المسكنة و الهوان و العذاب.
فمن هو فى الدنيا بهذا الوصف و أعظم منه قد وجب فى رقبته و استحقه و حكم عليه به، كيف يكون ذله و تواضعه؟ كيف ينبغى لمن كان هذا الوصف قد وجب عليه أن يتقلب بين العباد؟ و هل يمتنع هذا- إن عقل- أن يكون فى نفسه ذليلا مهينا؟
أرأيت من وجب عليه حكم ألف سوط و هو فى سجن ينتظر أن يخرج إلى العرض فيمضى فيه من الضرب ما قد حكم عليه به، كيف ذلّته فى السجن، و توقعه فى كل وقت، إلى أن يخرج إلى العرض فيقضى فيه الحكم؟ أفليس هو فى الدنيا و هو فى السجن و قد وجب عليه العذاب، لا يدرى متى يخرج من الدنيا إلى العرض ليحكم عليه بالعذاب؟ إلا أن يعفو الكريم. و هو مع ما قد وجب عليه يتوقع الموت، فالموت خاتمة عيشه، لأنه قد علم أن آخر حياته إلى
[١] - مصداقا لقوله تعالى: وَ يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً( النبأ: ٤٠).