الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٦٧ - باب ما ينفي به التصنع للمخلوقين في التصنع و الحزن
باب ما ينفي به التصنع للمخلوقين في التّصنّع و الحزن
قلت: فبم ينفي جميع ذلك في الصياح و التّنفس و السقوط؟
قال: أما إذا دعته نفسه إلى أن يفعل ذلك تكلّفا للعباد، فليذكر اطلاع اللّه عز و جل على بدنه و عقله و قلبه، بالمقت له؛ إذ رآه متكلفا لإظهار الخوف، مع الأمن للّه عزّ و جلّ، إذا فعل ذلك يريد العباد، و لا خوف في قلبه، و ذلك خلق من أخلاق المنافقين: أن يتكلّف الطاعة لا يريد اللّه عزّ و جلّ بها، و لولا العباد ما فعل ذلك، و يظهر أنه خائف من اللّه عزّ و جل، بالأمن للّه عزّ و جلّ؛ لأن تكلّفه ذلك و قصده لذلك إلى العباد من الأمن لغضب اللّه عزّ و جلّ و مقته، و لو كان تكلّفا للّه عزّ و جلّ، أو مغلوبا على ذلك لما أهاج الخوف قلبه، فيذكر نظر اللّه عزّ و جلّ إليه، و أنه لا يرضى إلا عن من فعل ذلك خوفا منه؛ أو تكلّفا ليستدعي به الخوف، و تعظيما لما يخاف منه، ثم يذكر أنه يستبدل بما يرجو رضى اللّه عز و جل عنه به، التعرّض لمقته، من غير أن ينال ازدياد منفعة من العباد في دين أو دنيا، و لا اجتلاب حمد منهم، و لعل اللّه عز و جلّ أن يزيل حمده من قلوبهم، و يجعل عقوبته في قلوبهم ذمّا له؛ إذا بارز اللّه عزّ و جلّ بما يكره في ضميره.
فإذا خاف المقت و ذكر الغبن و الخسران أن يستبدل بما كان بدؤه صدقا- يرجو الرضا من اللّه عزّ و جلّ عنه به و الأمن من عذابه- بالتعرّض لسخطه و حرمان رضاه بذلك عنه، فإن لم يكن هذا خاسرا مغبونا فلا خاسر أبدا في