الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٤٦٤ - باب العجب بالمال
فانظر أرفع رجل تراه فى المسجد». فرفعت رأسى فإذا رجل يتبختر فى حلة، فقلت: هذا، فقال: «ارفع رأسك فانظر أوضع رجل فى المسجد»، فإذا رجل عليه خلقان له، قلت: هذا. فقال: «يا أبا ذر، هذا عند اللّه خير من قراب الأرض مثل هذا»[١]، لأنه ليس يرفع عنده إلا بالطاعة، لا بالمال و غيره.
فإذا ألزم قلبه هذا، خاف من كثرة ماله، و رأى أن الفقير خير منه، و أنه إنما فضل عليه بالبلاء و الفتنة و كثرة واجب الحقوق، و يعلم أن اللّه عز و جل قد منّ عليه بالمال لينظر كيف شكره، و أنه لا يعرف أنه شكر اللّه عز و جل كما يحق له، فيشفق من ذلك و يزول عنه العجب بالمال إن شاء اللّه.
قلت: فقد رأيت أكثر العلماء يسمّى من تكبّر معجبا، و يصف العجب بصفة الكبر.
قال: إن أول بدوّ الكبر العجب، فمن العجب يكون أكثر الكبر فمنه سمى الكبر، و لا يكاد المعجب أن ينجو من الكبر.
فلما كان العجب هو الذى أخرج إلى الكبر و عنه كان، فإنه يسمى به و دلّت أخلاق الكبر عليه، لأنه قد يستعظم ما أعطى من دين أو دنيا، و لا يتعظم به على أحد، فذلك العجب إذا نسى منّة اللّه عز و جل بذلك، فإذا تعظّم به على غيره و أنف منه فحقره فقد تكبر، لأنه إذا أعجب بنفسه و لم يحقر غيره كان معجبا، و لم يكن متكبرا، فإذا أعجب بنفسه ثم نظر إلى غيره و قال
[١] - الحديث صححه ابن حبان ٢/ ٤٥٦( ٦٨١)، و أخرجه أحمد ٥/ ١٥٧، ١٧٠، و البزار[ كشف الأستار ٤/ ٢٤٢( ٣٦٢٩، ٣٦٣٠)]، و أبو نعيم فى الحلية ٨/ ١١٥. و قال الهيثمى فى المجمع ١٠/ ٢٦٥:« و رجال أحمد و أحد إسنادى البزار و الطبرانى رجال الصحيح».
و الخلقان: الثياب البالية الرثة، و قراب الأرض: ما يقارب مملاها.