الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٨٧ - باب الرجل يخرج في الحاجة أو يجالس بعض إخوانه ممن يدعي أخوتهم في الله عز و جل و هو يعلم أنه لا يسلم له دينه معهم
الوقت الواحد، فأما فى جميع أحوالكما فكأن نصف عقلك معه؛ لأنك قد تفطن لما يغفل أخوك عنه فتنبهه، و تغفل أنت عنه فينبهك، فأنت تعبد اللّه عزّ و جلّ بعقلين إذا اجتمعا، و تعرف عيوب نفسك بعقلك و عقل أخيك، فمن لم يخف اللّه عزّ و جلّ من الأصحاب، و إن كان مصليا، أو مدمنا للصيام، أو غازيا أو حاجا، فهو عليك و بال؛ لأن صلاته و صيامه و غزوه و حجه و كثرة ذكره و زكاته له و خوضك معه و خوضه معك مما يكره اللّه عزّ و جلّ عليك و بال.
و إنما مثله: كمثل صاحب لك غنى موسر، و أنت فقير محتاج، فكلما أتاك أكل طعامك و لم يواسك بماله، فماله له و ضرره عليك، لأكله طعامك، فكذا هذا: له صلاته و صيامه و غزوه و حجه، و وباله- بما يخرجك إليه من الخوض- عليك، فإن كنت قد سلمت قبل أن تلقاه أخرجك إلى العطب فى دينك عند لقائه، و إن كنت فى خير استبدلت به شرّا عند لقائه.
و لعلك أيضا تبدؤه قبل أن يبدأك بالخوض فيما لا يحل لك، لأنه موضع راحة قلبك، و أنس نفسك. أو لعلكما تفيضان فى ذكر اللّه عزّ و جلّ و طاعته، أو تعاونان على بعضها على قدر قوتكما. و قد يطمع العدو فيكما، ثم لا تفترقان إلا عما كره اللّه عزّ و جلّ من الكلام، فلا يقوم ما تعاونتما عليه من البر بما تعاونتما عليه من الشر؛ لأنكما ضيعتما فرضا، و تعاونتما على نافلة، و ذلك هو الخسران المبين.
فكم من صاحب قد عصيت اللّه عز و جل معه، و تصنّعت له، قد مات و خذلك بتوحّده فى القبر عنك، و بقى ما عصيت اللّه عز و جل معه مكتوبا عليك. و الكلام فى الأصحاب يطول، و ليس هذا بموضعه.