الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٢٥ - باب بم يعلم العبد أن نفسه قد تركت الكبر على الصدق و لا خدعة منها؟
و من ذلك ما يروى: أن عبد اللّه بن سلام حمل حزمة من حطب، فقيل له: يا أبا يوسف، قد كان فى غلمانك و بنيك ما يكفونك، قال: أجل و لكنى أردت أن أجرب نفسى هل تنكر ذلك؟[١] فلم يقنع منها بما أعطته من العزم على ترك الأنف حتى يجرّبها، أتصدق فى ذلك أم هى كاذبة.
و قد يعترض للعبد مع الكبر فى مثل هذا كله الرياء، فيجامع الكبر الرياء، و هو ما أخبرتك فى أول الجواب عن مسألتك: أن الكبر يعترض من الرياء، فيعترض فى ذلك الرياء مع الكبر، أنفا أن يقولوا فقيرا أو وضيعا أو مسكينا، فينظروا إليه بعين الازدراء، من الفقر أو الكسب الدنىّ، أو صحبة الرجل الدنىّ، أو زيارته من القرابة و غيره، أو أن يقبل الحق من غيره، فيقال: فلان خطّأه أو علمه، أو يقول من غلبه فى نفسه: خطأته، أو علّمته.
فإذا اعترض الرياء مع الكبر، فليقارب بالفكر بين صغر القدر، و ما وجب عليه من العقاب، و كراهية الرياء المحبطة لعمله فى يوم فقره و فاقته، إلى صافى الحسنات، لينجو بها من عذاب ربّه عز و جل، و يستحق بها ثوابه و رضوانه، فيذكر صغر القدر و ما وجب عليه من العذاب، و يذكر مصيره إلى الموت و الحساب.
و بالحكم بالجزاء ينفى الكبر، و بالكراهة للرياء ينفى الرياء، لأنه قد ينفى الكبر إذا عرض له الأنف من الأعمال التى تقربه إلى ربه عز و جل، لضعة أسبابها، فيتواضع و يعلم أن الكبر لا يليق به، و تجزع نفسه- بعد معرفته بصغر قدرها- أن تذمّ، و ينظر إليها بالازدراء، فهو فى نفسه وضيع، و لا يحب مع ذلك أن يكون عند الناس وضيعا.
[١] - أخرجه ابن المبارك فى الزهد ص ٢٨٧( ٨٣٣).