الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٢٦ - باب بم يعلم العبد أن نفسه قد تركت الكبر على الصدق و لا خدعة منها؟
و مما يدلك على ذلك: أنه قد يكون من بعض الخلق أن العبد يدعى إلى حسب شريف، كادعائه أنه من أهل بيت النبوة، أو من قريش، أو من العرب، و هو عالم أن أصله غير ذلك، فهو عند نفسه وضيع الأصل، و هو يحبّ أن ينظر إليه الناس بعين التعظيم، و يكره أن يعلموا بأصله و ينظروا إليه بالازدراء، و كذلك يظهر أنه غنى و هو فقير، فذل الفقر فى قلبه لمعرفته أنه لا غنى عنده، و هو يحب أن ينظر إليه بالغنى، و يكره أن يرى بالفقر، و كذلك يوهم العباد أنه يحسن من العلم ما لا يعلمه، و يكره أن يفطنوا بجهله فيزدروه، و يحب أن ينظروا إليه برفعة العلم، فهو عند نفسه دنى الحسب قليل المال جاهل، و هو يوهم العباد أنه على غير ذلك، لحبّ الحمد و كراهة الذّم.
و كذلك هذا الذى اعترض له الكبر مع الرياء، قد ينفى الكبر و يستعمل الرياء، فيدع ما هو أولى به و أقرب إلى ربه عز و جل، و لعله أن يغلط فيرى أنه بنفيه الكبر قد نفى الرياء، فيكون عند نفسه مخلصا متواضعا، و هو عند ربه عز و جل مراء، و لعل نفسه عند ذلك أن تخيّل إليه أن ذلك حياء منه، و إنما تركه للحياء، و لم يتركه للكبر و لا للرياء.
و كذلك قد ينفى الرياء فيعلم أن العباد لن يضرّه ذمّهم، و لن ينفعه حمدهم، فيكره ذلك، و تأبى نفسه أن يفعل شيئا من ذلك، كبرا فى نفسه، و أنه لا يصلح ذلك لمثله، و لو رفعه الناس بذلك.
و قد رأينا من قد يتكبّر بالحسب مع الدين، كمن هو من أهل بيت النبوة أو من قريش، يرفع نفسه أن يصلى خلف العامة، فيدع الجماعة أنفا و كبرا، و قد علم أن العباد يذمّونه، يعلم ذلك منهم، و يبلغه عن بعضهم، و يسمعه من بعضهم، و نفسه تأبى إلا كبرا، و أنه لا يصلح له فى قدره أن يؤمه غيره، فقد