الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٤١٥ - باب ما يؤدى إليه معرفة النفس و شرح العجب و الإدلال بالعمل
باب ما يؤدى إليه معرفة النفس و شرح العجب و الإدلال بالعمل
قلت: قد عرفتنى نفسى و حذرتها، فأخبرنى ما الذى يؤدى إليه معرفتها؛ بعد وصفك الرياء و أسبابه، و لم يكن بى عنه غنى؟ و إن عرفتها فما ينفعنى أن أعرف عدوى و لا أعرف مكائده و لا يكون معى آلة لمجاهدته، فأخبرنى بالعجب ما هو، و فيما هو، و فيما ينفى و يتقى؟
قال: إنك سألت عن آفة فى كثير من العباد عظيمة، معمية عليهم ذنوبهم و مزيّنة لهم خطأهم و زللهم، لأن العجب يعمى القلب، حتى يرى المعجب أنه محسن و هو مسىء، و أنه ناج و هو هالك، و أنه مصيب و هو مخطئ، و لا يلبث صاحبه المعتقد له أن يركن إلى الغرة، فيستصغر ما علم به من ذنوبه و زلله، و ينسى كثيرا منها، و يعمى عليه أكثرها، حتى لا يظنه ذنبا، فيستكثر عمله، فيغتر به، فيقل خوفه، و يشتد باللّه عز و جل غرته، بل قد يخرج صاحبه به إلى الكذب على اللّه عز و جل و هو يرى أنه عليه صادق، و إلى الضلالة و هو يرى أنه مهتد.
فبالعجب هلك أئمّة الضلالة، و بالعجب تكبر المتكبرون، و افتخر المفتخرون، و اختال المختالون، و به هلاك آخر هذه الأمة.
و مما يدلّك على ذلك قول النبى صلّى اللّه عليه و سلم- و ذكر آخر هذه الأمة- فقال لأبى ثعلبة: «إذا رأيت شحا مطاعا، و هوى متبعا، و إعجاب كل ذى رأى برأيه؛