الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٤١٧ - باب ما يؤدى إليه معرفة النفس و شرح العجب و الإدلال بالعمل
و إذا عرف كثرة ذنوبه و استعظمها، ثم قنط، لم ير أنه يقبل منه التوبة، فأقام عليها، فأمسك عن العمل للّه عز و جل بالطاعة فيهلك.
فدلّ ابن مسعود بقوله هذا: أن فى العجب الهلاك، لأنه إذا أعجب زكى نفسه، فإذا زكاها لم يتّهمها، و لم تعظم عليه مخالفتها أمر ربها، و ظن أنها ناجية.
ألا ترى إلى قول اللّه عز و جل: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ[١].
قيل فى التفسير: لا تبرئوها. فكيف يتهمها و هى عنده بريئة فإذا لم يتهمها كيف يفطن لعيوبها؟.
و قوله جل ثناؤه: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ قال زيد بن أسلم: لا تبرئوها.
و قال ابن جريح: يقول لا تعملوا بالمعاصى و تقولوا: نعمل بالطاعة، و قال مطرف: لأن أبيت نائما و أصبح نادما أحب إلىّ من أن أبيت قائما و أصبح معجبا[٢].
فيجمع العجب خصالا شتى: يعمّى عليه كثير من ذنوبه، و ينسى مما لم يعمّ عليه منها أكثرها، و ما ذكر منها كان له مستصغرا، و تعمى عليه أخطاؤه و قوله بغير الحق، و يخرجه ذلك إلى الكبر و التعظيم على العباد، و يغتر باللّه عز و جل و يدل عليه بعمله و علمه، حتى كأن له منة على ربه عز و جل فحينئذ ينقطع عن اللّه عز و جل عصمته، و يكله إلى نفسه، فيرى أنه من المحسنين و هو عند اللّه من الظالمين الفاسقين.
ألا ترى إلى ما يروى عن عائشة رضى اللّه عنها أنه قيل لها: متى يكون الرجل مسيئا؟ قالت: إذا ظن أنه محسن.
[١] - النجم: ٣٢.
[٢] - أخرجه ابن المبارك فى الزهد ص ١٥١( ٤٤٨)، و أبو نعيم فى الحلية ٢/ ٢٠٠.