الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٦٤ - باب الرجل يحضر القوم يصلون فتحضره نية العمل و إن لم يكن يفعل ذلك في خلوة أو يبكون فلا يجد البكاء
و إن قبل الخطرة مع الصيحة و زاد فيها حبط أجره فيها، و إن قبلها معها و لم يتزيد فيها خشيت عليه ألا يقبل منه.
و الوجه الثالث: أن يهيج الصياح، و التّنفس، و الزفير، أو الأنين، عن الفكر بالخوف، أو عن الاستماع للخوف، أو النظر للمخوف و الحزن، كالنظر إلى الميّت أو إلى القبور أو الشىء يعتبر به يدلّ على عقوبة اللّه عزّ و جل، أو معنى من معاني الآخرة، يهيج ذلك منه عن غلبة من عقله، فذلك يهيج خالصا للّه عزّ و جل، من خوف تحقيقه في القلب.
و قد يخطر العدو مع الهيجان بذلك، حين يظهر الصياح و التنفس، حبّ محمدة المخلوقين، أو جزعا من أن ينظروا إليه بالقسوة و قلة الرقة و الخوف، فإن نفاها خلص ذلك إليه، و إن قبلها فقد تصنّع بذلك.
قلت: و كيف جعلته متصنّعا بذلك مرائيا، و قد ابتدأ في الهيجان على غير كلفة؟
قال: إنه تصنّع به قبل أن ينقضي، و كذلك الصلاة و غيرها، يدخل فيه، ثمّ يخطر العدو بالدعاء إلى الرياء، فيقبل ذلك منه و يتصنّع به. و أعظم من ذلك الصياح و التنفس و التأوّه و الأنين يهيج عن الخوف، فإذا ظهر للعباد تصنّع بذلك العبد فيزيد فيه، حتى يزيد في مدّ صوته أو تحزينه، و كذلك تنفّسه أو تأوّهه و زفيره و أنينه، فذلك الذي لا يختلف فيه أنه رياء؛ لأن ذلك التزيد هو كابتدائه تكلّفه لطلب حمد المخلوقين.
فإن لم يقبل[١] حتى يقضي صياحه و أنينه، ثم خطرت بقلبه خطرة لحب حمدهم على ذلك فقبلها لم يحبط ذلك، لأنه قبل الخطرة بعد تقضى
[١] - يعني: إن لم يقبل خطرة العدو بالرياء.