الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٧٧ - باب الغرة بعلم العمال لله تعالى من علم الصدق و الإخلاص، و نفي الرياء و الأخلاق المذمومة و وصف الخوف و الرجاء و الحب
قال: إن أصول ذلك فى قلبه، فى عقد إيمانه، لأنه يحب اللّه عز و جل حبّ التوحيد، الذى لو فارقه كان كافرا باللّه تعالى.
و كذلك لا يأمن اللّه عز و جل، لإيمانه أن له عقابا و عذابا. و لو لم يعلم أن له ذلك كان كافرا معاندا.
و كذلك يخلص للّه التوحيد و الفرض، لا يعبد إلها غيره، و لا يؤدى فرضا إلا له، و يكون عقده على ذلك.
و كذلك يؤمن أنه مالك للضر و النفع، مدبر الأشياء، و لو لم يعلم ذلك كان كافرا.
فلما لزمت هذه الأصول التى هى عقود التوحيد قلبه، و وصف معالى منازل الخائفين و الراجين، و المحبين و المتوكلين و المخلصين، مع معرفته بذلك، مما وجده فى العلم و ما وصف عن القائمين للّه عز و جل بجميع ذلك، ظن أنه لم يصف شيئا من ذلك و لم يعرفه إلا أنه من أهله.
و إذا رجع إلى قلبه لم يجده يعرى من أن يدين فى عقود إيمانه بجميع ذلك، فاجتمعت هذه الجملة من الإيمان فى قلبه مع معرفة المنازل العالية التى كانت عن هذه الأصول، و وجد عنده منها الشىء اليسير، فلما وصفها بلسانه لم يشك أنه من أهلها، و القائمين للّه بها، دون عوام المسلمين، إذ لم يعرفوها و لم يصفوها، إلا الشىء اليسير منها الذى يناله كثير من عوام المسلمين.
فلما تفقد نفسه عند الحاجة إليها، فرآها له مفارقة، لم يبق فيه منها إلا عقود تدين الإيمان، علم أنه من شرّ عوامّ المسلمين، و أنه زائل عما كان