الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٧٧ - باب ما يورث الرياء من الأخلاق المذمومة و شرحها
و من ينام بالسّحر؟ فإن كان مكاثرا أو مفاخرا فطنا- يريد أن يحمد و يفاخر و لا يذمّ- لم يصرّح بذلك، و لكن عرّض بجميع ذلك لينال المباهاة و المفاخرة و المكاثرة، و لا يصرّح فيقولوا: مباه مراء، مفاخر، مكاثر. و هذه بعضها تجامع بعضا و لكن يزيد بعضها على بعض، فمن ثمّ فرق الكتاب و السنّة بينهما، و ذلك قول اللّه عزّ و جل: وَ زِينَةٌ وَ تَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ[١].
و قد قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: «من طلب الدنيا مكاثرا مفاخرا»[٢] و قال في الحديث خلالا ففرق بينهما.
قلت: فالتحاسد.
قال: يبعث عليه الرياء و غيره، فأما ما كان من الرياء فحسدا و نفاسة[٣] أن يدرك [غيره] من المنزلة أكثر مما يدرك، و من حمد الناس أكثر مما يدرك من الحمد، فيحبّ أن تزول عنهم النعم؛ لئلا يعلوه بها فيكون دونهم عند إخوانهم و غيرهم، و قد روى عن عمر رضي اللّه عنه أنه قال لأبي أميّة: لا أبقاني اللّه و إياك إلى زمان يتغاير فيه على العلم؛ كما يتغاير على النساء.
قلت: و كيف يردّ الحقّ و هو يعلم أنه حقّ؟
قال: لكراهة أن يقر له بالصواب فيعلوه؛ و لذلك تفرق أهل الكتاب بغيا بينهم و حسدا.
قلت: فحبّ الغلبة؟
[١] - الحديد: ٢٠.
[٢] - عزاه ابن حجر في المطالب العالية ٣/ ٢٠٧( ٣٢٧٣) لعبد بن حميد و أبي يعلى عن أبي هريرة، و قال البوصيري: فيه راو لم يسمّ.
[٣] - يقال: نفس على فلان كذا، نفاسة: يعني حسده على ذلك، و لم يره أهلا له.