الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٠٨ - باب نفي الكبر و تعريف العبد قدره
الموت، فيعاد كما كان بدء خلقه، ميتا بعد أن كان حيّا؛ ألم تسمع إلى قولهم: رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ[١]؟
أى كنا أمواتا فى أصلاب آبائنا، ثم أحييتنا، ثم أمتنا بعد الحياة، فيصير ميتا كما بدأ اللّه عز و جل خلقه، فيعمى بعد البصر، و يصمّ بعد السمع، و يبكم بعد النطق، و تقطع أوصاله، و يصير جيفة تقذره الدواب و الخلائق، ثم يبلى فينخر عظمه، و يصير ترابا، إلا عجب الذّنب، كما قال النبى صلّى اللّه عليه و سلم «يبلى من ابن آدم كل شىء إلا عجب الذنب»[٢].
فيصير ترابا، فيرجع إلى أصله الذى خلق منه أبوه الأول، فيصير معدوما بعد أن كان موجودا، كما كانت الدهور قبله، و لم يكن فيها شيئا مذكورا.
ثم يحييه اللّه عز و جل بعد طول البلى، فيخرجه إلى أهوال القيامة، فتحدق به كلها: من سماء ممزّقة، و أرض مبدّلة، و جبال مسيّرة، و نجوم منتثرة، و شمس و قمر مطموسين، زفير جهنم فى سمعه، و ركوب الصراط لابد له أن يركبه بضعفه، ثم يعرض على مولاه، فيسائله عن كل عمله، ثم الحكم الذى وجب عليه أن يصرفه من بين يديه بعد السؤال إلى عذاب لا ينقطع، فى غاية الهوان و الذل و الخضوع، فيصرفه إليه إن لم يعف عنه.
فإذا تذكّر العبد و تفكّر: كيف كان بدوه، و ما أصله و فصله، و فى ضعفه،
[١] - غافر: ١١.
[٢] - عجب الذّنب: العظم الذى فى أسفل الصلب عند العجز. و الحديث عن أبى هريرة، أخرجه البخارى فى التفسير ٨/ ٥٥١( ٤٨١٤) و ٦٨٩( ٤٩٣٥)، و مسلم فى الفتن ٤/ ٢٢٧٠، ٢٢٧١( ٢٩٥٥/ ١٤١: ١٤٣)، و أحمد ٢/ ٣٢٢، ٤٢٨، ٤٩٩.