الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥١٠ - باب نفي الكبر و تعريف العبد قدره
و الضعف و المهانة و الذلة و المسكنة و الضرّ و الزمانة[١]، فإذا تفكّر و صدق نفسه عن الخبر بالتذكر عن بدوه و أصله، و مما هو و كيف كانت أحواله، لم يمتنع أن يذلّ فى نفسه و ينكسر عن نخوته و كبره.
و مثل حياته و صحته و ما يتقلّب فيه من ملكه و غناه، مثل رجل كان عند نفسه حرا لا يشك فيه، ثم مات والداه، و أورثاه مالا كثيرا، فكان يتعظّم و يتكبر، بشبابه و حسن جسمه و هيأته و غناه و ملكه، و هو مع ذلك فى سعة:
المنازل و النظافة و الطيب و المنعة و الحرز و الأمن، فبينا هو كذلك متكبرا متعظما فى نفسه، إذ قدم عليه قادم من بعض البلدان، فأخذه و أقام عليه البينة العادلة بأن أبويه كانا مملوكين له، و أن ما كان فى أيديهما من مال فهو له، فحكم عليه الحاكم بذلك، و علمه أيضا صدق ذلك، و اطمأن قلبه إلى ما شهد به الشهود، هل كان يمتنع فى نفسه أن تزول عنه نخوته و كبره إذ علم أنه عبد مملوك، ليس لنفسه بمالك، و لا لما بيده من المال، و أن مولاه إن أراد أن يأخذه أخذه منه، و أنه لا يقدر أن يفعل شيئا إلا بإذن مولاه و إرادته؟ و نظر مع ما أيقن به من العبودية، فإذا فى منزله من الهوامّ و الحيّات و غير ذلك ما لا يأمن أن تتلف نفسه- أغفل ما يكون- و لابد له من سكنى ذلك المنزل، لأن مولاه ألزمه ذلك؛ لئلا يضيع ذلك المنزل و ما فيه.
كيف يرى كان يكون فى نفسه لذلة العبودية و الانخلاع من ملكه و ما يخاف من تلف نفسه- أغفل ما يكون- و لم يكن ذلك المنزل لأحد إلا كان آخر مصيره إلى التلف، هل كان يعدّ لنفسه مالا، و هل كان يعد لنفسه منزلا أو قرارا؟ فكذلك ابن آدم إذا تكبّر و تعظّم و هو ناس لحالته التى وضع عليها،
[١] - الزّمانة: العاهة و الآفة المستمرة.