الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٣٤ - باب هل يجوز ترك العمل من أجل الرياء؟
و كذلك الدنيا: أمروا بأخذ القوام[١] منها، و نهوا عن طلب الفضل؛ لا أنه محرم، و لكنه لا يسلم في طلب الدنيا إلا الأبطال الزاهدون العالمون باللّه عزّ و جلّ و أيّامه.
و قد روى عن الحسن: أنه سئل عن رجل طلب القوت ثم أمسك، و آخر طلب فوق قوته ثم تصدّق به، فقال: القاعد أفضل. مما يعرفون من قلّة سلامته في طلب الدنيا، و أن من الزهد تركها، إلا للقربة للّه عزّ و جلّ! فخشوا أن يزدادوا بعدا من اللّه عزّ و جلّ، إذا طلبوها، لفتنتها و شغل القلب بها.
و قال أبو الدرداء: ما يسرني أني قمت على درج مسجد دمشق أصيب كل يوم خمسين دينارا أتصدق بها، أما إني لا أحرّم البيع و الشراء، و لكن أريد أن أكون من الذين لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه عزّ و جلّ[٢]. و في حديث آخر: لئلا تشغلني عن الذكر. و كلا المعنيين واحد.
و قال: كنت تاجرا قبل أن يبعث النبي صلّى اللّه عليه و سلم، فلما أسلمت أردت العبادة و التجارة، فلم يجتمعا لي فتركت التجارة[٣].
فأخبر أنه لا يمكنه التجارة إلا أن يلهو عن ذكر اللّه عزّ و جلّ، و يشتغل عنه، و لم يقل: لا يعجبني أن أتجر فأصيب كلّ يوم خمسين دينارا و أتصدق بها، و لا يلهيني ذلك عن ذكر اللّه عزّ و جلّ و لا يشغلني.
و قد أجمع المسلمون على أن من ولّى الخلافة أو الإمارة أو القضاء أو قام
[١] - القوام بفتح القاف: ما يعاش به، و بكسر القاف: نظام الأمر، و عماده، و ملاكه. و المراد هنا أنهم أمروا أن يأخذوا منها ما يقيم أودهم، و يتعيشون به.
[٢] - أخرج نحو ذلك عن أبي الدرداء: أبو نعيم في حلية الأولياء ١/ ٢٠٩.
[٣] - في الموضع السابق نفسه.