الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٠٤ - باب معنى قوله لا تحضرني النية في العمل
باب معنى قوله لا تحضرني النية في العمل
قلت: فما معنى قول من قال من المريدين: لا تحضرني النيّة؟
قال: ذلك يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون يسأل حاجة، أو يدعى إلى أمر له فيه الأجر، فيبخل أن يقضي الحاجة، أو يكسل عما فيه الثواب، فلا يرغب فيه، فيبدي المذمّة لنفسه؛ كالمال يبخل به أو لا تسخو نفسه بإخراجه للّه عزّ و جلّ، أو يكسل عن الصلاة، أو عن القيام للحاجة يسألها، أو لا تسخو نفسه بترك الطعام و الشراب، و تحمّل الجوع و العطش للصيام، فيقول: لا تحضرني نيّة؛ أي: لا تسخو نفسي بأن أدع شهوتي و طعامي و أتحمل الجوع و العطش، فذلك معنى صحيح.
و المعنى الآخر: أن تكون نفسه قد سخت للّه عزّ و جلّ بإخراج ماله في سبيل الخير، أو قد نشط للّه عزّ و جلّ في الصلاة لا يجد كسلا يعتريه، و كذلك تسخو نفسه بترك الطعام و الشراب للصيام، فيعترض له الخطرات تدعوه إلى الرياء، فيقول: ليس لي نية؛ يريد ألا يجد خطرة، و أن يكون قلبه بعد ما خطر، مثله قبل أن تخطر به الخطرة، لا منازعة فيه و قد سكنت منه الخطرات، فذلك غلط و ضعف؛ لأن العباد أمروا و ندبوا إلى الطاعات، و أن ينفوا الرياء أن يعتقدوه، و لم يؤمروا أن يتركوا الطاعة من أجل دواعي الرياء.
و لو فعل ذلك عبد لأوشك إذا علم الشيطان بذلك منه أن يعترض له عند كل عمل بالخطرات بالرياء فيدع كل طاعة. و لم يؤمر الناس أن يخرجوا