الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٥٤ - باب التمييز بين الرجاء و الغرة
و الغرّة خدعة من النفس و العدوّ بذكر الرجاء بالتوحيد، أو بالآباء الصالحين، أو بعمل قليل ضعيف، فتطيب نفسه بتلك الخدعة حتى تهون عليه ذنوبه، لظنّه أنها مغفورة، فيتمنّى المغفرة، فيقيم عليها و لا يتوب، فهذا فرق ما بين الغرّة و الرجاء.
و ذلك موجود فى فطر العباد فى دنياهم: أنهم إذا ضيّعوا العمل عذلوا[١] أنفسهم و عدّوه منهم تفريطا، فإن قعدوا عن الأعمال و هم يظنّون أنهم يعطون الأجر عدّوا ذلك من أنفسهم حمقا و غرّة.
قلت: فأين أضع الرجاء حتى لا يكون غرّة؟.
قال: إن اللّه عزّ و جلّ خوّف العاصين بغضبه و عقابه، ليخوفوا أنفسهم بما خوفهم، فيتوبوا إلى ربهم، و رجى اللّه عز و جل التائبين من عباده على تركهم الذنوب، لئلا يقنطوا فيقيموا على ذنوبهم، و رجّى العاملين ليبعثهم الرجاء على الأعمال التى تقرّب إليه.
فعلى المؤمن باللّه عز و جل العاقل عنه أمره، أن يضع الخوف حيث وضعه اللّه عزّ و جلّ، فإذا همّ بمعصية خوّف نفسه ما خوّفه اللّه عز و جل، به من عذابه، فإن غلبه هواه فأتاه فأبت نفسه إلا المقام عليها، خوّف نفسه بما خوّفه اللّه عز و جل، من غضبه و عقابه، ليدع المعصية و يتوب منها بعد ركوبها.
فإذا همّت نفسه بمعصية أو عصمت فأبت إلا المقام على العصيان؛ عاتب نفسه و قال لها: إن اللّه شديد العقاب، و إن غضبه لا دواء له، و إن عذابه لا صبر عليه. فخوف نفسه بما خوفه اللّه، حيث أمره أن يخوف نفسه ليقطع و يتوب.
[١] - العذل: الملامة.