الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٥٥ - باب التمييز بين الرجاء و الغرة
و إذا أراد التوبة فعارضه القنوط الصّادّ له عن التوبة؛ ذكّر نفسه الجود و الكرم، فرجاها عفو اللّه عز و جل و كرمه و فضله و لطفه و رأفته و رحمته، و ما وعد التائبين؛ أنه: لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ[١] و أنه غفور رحيم لمن أناب إليه.
ألا تسمع قوله لولد سبإ: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ[٢].
فعظمت علينا بذلك النعمة إذ أخبرنا اللّه عز و جل أنه رب غفور، و إذ أقالنا عثراتنا، و بسط لنا التوبة، و وعد عليها المغفرة، أرأيت أن لو كان يأخذنا بأول ذنب، أو لا يقبل منا توبة بعد مرة أو بعد مرتين أو بعد ثلاث مرّات، فإن الناس أكثر ما يردون العذر و التوبة من بعضهم على بعض بعد ثلاث مرات أن يقول أحدهم لآخر: قد عفوت عنك ثلاث مرار، أو أقلتك ثلاث مرار، فلا أكثر من ثلاث. فلو كان ربّنا عزّ و جلّ كذلك ما هنأنا عيش، و لكن لو أذنب عبده ألف ذنب يعود فيه ألف مرة، ثم تاب توبة نصوحا يعلم اللّه عزّ و جلّ صدقها من قلبه؛ غفر له ما مضى من ذنوبه، و لم يعذبه بما سلف من جرمه، فيذكر الجود و الكرم و سعة العفو و الرحمة إن عارضه قنوط عند إصابة الذنب، ليقطعه عن العمل بالطاعة، عارضه بالرجاء للمغفرة و القبول؛ لسعة رحمة اللّه عز و جل، و لما رجّى التائبين من عباده، و لما حرّم من الإياس عن التائبين المذنبين و المصرّين من الموحّدين أن ينقطعوا بالقنوط عن العمل، و يكتسبوا بالقنوط ذنبا،
[١] - طه: ٨٢.
[٢] - سبأ: ١٥.